
الأدوات النظامية لإصدار الأنظمة واللوائح
يقوم البناء التنظيمي في المملكة العربية السعودية على تدرج واضح في الأدوات التي تصدر بها النصوص النظامية والتنظيمية، وهذا التدرج ليس شكليًا فقط، بل يرتبط بسلطة الإصدار، وبقوة الأداة، وبطبيعة الأحكام التي تتناولها. ولهذا فإن فهم الفرق بين الأمر الملكي، والمرسوم الملكي، وقرار مجلس الوزراء، وقرار الوزير أو رئيس الجهة، يعد أساسًا مهمًا لكل من يريد الإحاطة بالطريقة التي تصدر بها الأنظمة واللوائح والتنظيمات في المملكة.
كما يجب التفريق بين أداة الإصدار وبين نوع الوثيقة التنظيمية. فأداة الإصدار هي الوسيلة الرسمية التي يصدر بها النص، مثل الأمر الملكي أو المرسوم الملكي، أما نوع الوثيقة فهو الوصف القانوني أو التنظيمي لمضمون النص، مثل النظام، أو التنظيم، أو اللائحة التنفيذية، أو القواعد، أو الضوابط، أو السياسات، أو الإجراءات.
الأمر الملكي هو وثيقة رسمية تصدر عن خادم الحرمين الشريفين بصفته رئيس الدولة، ويستعمل في الموضوعات العليا التي تتصل ببنية الدولة أو شؤونها الأساسية أو بعض القرارات التي يكون مصدرها الإرادة الملكية المباشرة.
ويظهر الأمر الملكي في عدد من المجالات المهمة، ومن أبرزها الأنظمة الأساسية ذات الطبيعة الدستورية، وبعض التعيينات أو الإعفاءات في المناصب العليا، وإنشاء بعض الجهات أو الهيئات ذات الصفة الخاصة، وغير ذلك من الموضوعات التي تقتضي أداة إصدار عليا مرتبطة بمقام الملك مباشرة.
ولذلك فإن الأمر الملكي يتميز بكونه أداة إصدار ذات مكانة رفيعة، تستخدم في المسائل التي لا ينظر إليها بوصفها مجرد تنظيم إداري عادي، بل بوصفها مسائل ترتبط ببناء الدولة، أو بتقرير أوضاع عليا، أو بإجراء تنظيمي سيادي أو دستوري.
المرسوم الملكي هو الأداة التي تصدر بها الأنظمة العامة في المملكة العربية السعودية، كما تصدر به المعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، بعد استكمال الإجراءات النظامية المقررة لها.
ويعد المرسوم الملكي من أهم أدوات الإصدار في المجال النظامي؛ لأنه يمثل الصيغة الرسمية التي يخرج بها النظام إلى حيز النفاذ بعد المرور بالإجراءات المقررة، وخصوصًا في الموضوعات التي تتطلب عرضها على مجلس الوزراء، وقد يمر بعضها كذلك عبر مجلس الشورى بحسب ما يقتضيه التنظيم.
ولهذا فإن المرسوم الملكي يرتبط غالبًا بالنصوص ذات الطبيعة التشريعية العامة التي تنشئ قواعد ملزمة ومجردة تنطبق على فئات أو أوضاع أو قطاعات بكاملها، ولا يقتصر أثرها على جهة إدارية واحدة أو إجراء داخلي محدود.
قرار مجلس الوزراء هو الأداة التي تصدر عن مجلس الوزراء بصفته السلطة التنفيذية والتنظيمية والإدارية العليا في الدولة، ويستخدم في إقرار عدد كبير من التنظيمات والترتيبات التنظيمية والقرارات ذات الطبيعة العامة.
ويصدر بقرار مجلس الوزراء كثير من النصوص التي تتعلق بإنشاء بعض الأجهزة أو المراكز أو البرامج أو الهيئات، أو إعادة تنظيمها، أو تحديد اختصاصاتها، أو ترتيب ارتباطها الإداري، أو اعتماد قواعد تنظيمية عامة لا تستلزم صدورها في صورة نظام عام بمرسوم ملكي.
كما أن قرار مجلس الوزراء قد يكون في بعض الأحيان مرحلة سابقة على صدور المرسوم الملكي، عندما يكون الموضوع من الموضوعات التي تتطلب في نهايتها صدور أداة ملكية. ومن هنا فإن قرار مجلس الوزراء يحتل موقعًا مهمًا في البناء التنظيمي؛ لأنه أداة أساسية في الإدارة العليا والتنظيم التنفيذي داخل الدولة.
قرار الوزير أو رئيس الجهة هو الأداة التنظيمية التي تصدر عن المسؤول المختص في الوزارة أو الهيئة أو الجهة الحكومية، استنادًا إلى صلاحية مقررة في نظام، أو تنظيم، أو لائحة، أو قرار أعلى.
وتصدر بهذه الأداة غالبًا اللوائح التنفيذية، والقواعد، والضوابط، والتعليمات، والقرارات الإدارية ذات الطبيعة التنظيمية أو الإجرائية، متى كان النظام أو التنظيم الأعلى قد خوَّل الوزير أو رئيس الجهة صلاحية إصدارها.
وتمتاز هذه الأداة بأنها أقرب إلى الواقع العملي والتنفيذي، لأنها تتناول كيفية التطبيق، وتفصيل الإجراءات، وتحديد الشروط أو المتطلبات أو النماذج أو المسارات الإدارية اللازمة لتنفيذ النصوص الأعلى مرتبة.
ومع ذلك، فإن هذه القرارات لا يجوز أن تخالف النظام أو التنظيم أو اللائحة الأعلى منها، بل يجب أن تلتزم بحدود التفويض الممنوح، وأن تكون تابعة له من حيث المصدر والمضمون والغاية.
النظام هو مجموعة من القواعد العامة المجردة والملزمة التي تنظم موضوعًا عامًا أو قطاعًا كاملًا أو علاقة قانونية ذات أهمية واسعة، ويحدد الحقوق والالتزامات والاختصاصات والواجبات، وقد يقرر الجزاءات أو المسؤوليات بحسب طبيعته.
والنظام يعد في المملكة العربية السعودية الأداة التشريعية العامة الأهم من حيث المضمون، ويصدر في الأصل بمرسوم ملكي بعد استكمال إجراءاته النظامية. ولذلك فإن كلمة النظام تشير إلى نوع الوثيقة، بينما المرسوم الملكي يشير إلى أداة صدورها.
ومن خلال النظام توضع الأطر الأساسية التي تضبط نشاطًا معينًا، أو تنظم مهنة أو قطاعًا اقتصاديًا أو إداريًا أو عدليًا أو أمنيًا أو غير ذلك من المجالات العامة.
يقصد بالتنظيم أو الترتيبات التنظيمية الأحكام التي تعنى بإنشاء جهاز حكومي جديد، أو إعادة تنظيم جهاز قائم، أو تحديد اختصاصاته، أو بيان علاقته بالجهات الأخرى، أو تحديد تبعيته الإدارية والإشرافية، أو توزيع الاختصاصات داخله.
وهذا النوع من الوثائق لا يكون الغرض منه دائمًا وضع قواعد عامة شاملة كما في الأنظمة، بل يكون القصد منه بناء كيان تنظيمي أو إداري، أو ترتيب عمل جهة عامة، أو ضبط هيكلها واختصاصاتها وحدود مسؤوليتها.
وغالبًا ما تصدر هذه الترتيبات بقرار من مجلس الوزراء عندما يكون الموضوع متعلقًا بإنشاء هيئة أو مركز أو برنامج أو مجلس أو جهاز، أو عندما يكون المقصود إعادة هيكلة جهة عامة أو تحديد تنظيمها الإداري والوظيفي.
اللائحة التنظيمية هي وثيقة تتضمن قواعد عامة تنظم موضوعًا محددًا تنظيمًا مستقلاً، لكنها لا تكون في مرتبة النظام من حيث القوة أو الأداة أو المجال، بل تأتي أدنى منه في السلم التنظيمي.
وتوضع اللائحة التنظيمية عادة عندما يكون هناك موضوع يحتاج إلى تنظيم عام، لكن المشرع أو السلطة المختصة ترى أن هذا المجال يمكن تنظيمه بلائحة مستقلة دون الحاجة إلى إصدار نظام كامل. ولهذا فإن اللائحة التنظيمية تعد أداة مهمة في المجالات التي تستلزم قدرًا من القواعد العامة والتنظيمية، دون الوصول إلى مستوى النظام العام.
وقد تصدر اللائحة التنظيمية بقرار من مجلس الوزراء إذا كان الموضوع داخلاً في نطاق اختصاصه التنظيمي، وكانت طبيعة المسألة تسمح بتنظيمها بهذه الأداة.
اللائحة التنفيذية هي وثيقة تنظيمية تابعة لنظام قائم، والغرض منها توضيح كيفية تطبيق ذلك النظام، وبيان إجراءاته، وتفصيل ما يحتاج إلى بيان من أحكامه، حتى يصبح التنفيذ العملي للنظام واضحًا وقابلاً للتطبيق على أرض الواقع.
فاللائحة التنفيذية لا تستقل بنفسها من حيث المصدر الموضوعي، لأنها مرتبطة بوجود نظام أعلى منها، ولا يجوز لها أن تنشئ أحكامًا تتجاوز ذلك النظام أو تخالفه أو تعطل مقصوده.
وغالبًا ما تصدر اللائحة التنفيذية عن الوزير المختص، أو عن مجلس إدارة الجهة، أو عن رئيس الجهة التي خولها النظام سلطة إصدارها. ولهذا فإنها تعد حلقة الوصل بين النص النظامي العام وبين التطبيق التنفيذي التفصيلي.
القواعد والضوابط هي أحكام أكثر تخصيصًا من النظام واللائحة، وتوضع لتنظيم جزئية فنية أو إجرائية أو مهنية أو تشغيلية في قطاع معين أو داخل مرفق محدد.
وقد تتناول القواعد والضوابط مسائل مثل شروط الممارسة، أو المتطلبات الفنية، أو معايير الترخيص، أو اشتراطات الامتثال، أو آليات التحقق والرقابة، أو ضوابط تقديم خدمة معينة، أو أسس التصنيف والاعتماد.
وتمتاز القواعد والضوابط بكونها عملية ودقيقة، ومرتبطة غالبًا بتفاصيل الممارسة أكثر من ارتباطها بالأصول العامة، ولهذا فإنها تعد من أهم الأدوات المستخدمة في ضبط القطاعات التخصصية ذات الطبيعة الفنية.
السياسات هي وثائق أو توجهات عامة تتضمن المبادئ العليا والأهداف الكلية والاتجاهات التي تسير عليها الدولة أو الجهة في موضوع معين. وهي لا تكون في كل الأحوال مساوية للنظام أو اللائحة من حيث الإلزام التفصيلي، لكنها تمثل إطارًا مرجعيًا مهمًا في التوجيه وصناعة القرار وتنسيق الجهود.
ومن خلال السياسات يمكن تحديد الأولويات العامة، والمسار الذي ينبغي أن تتجه إليه الجهات التنفيذية، والمبادئ التي تبنى عليها البرامج والمبادرات والخطط التنفيذية.
ولهذا فإن السياسات تؤدي وظيفة توجيهية واستراتيجية، وتعد مرجعًا مهمًا في تفسير التوجه العام للجهة أو للدولة في مجال من المجالات.
الإجراءات هي الخطوات التنفيذية التفصيلية التي تبين كيفية إنجاز العمل داخل الجهة، سواء تعلق ذلك بمسار معاملة، أو تقديم خدمة، أو ممارسة اختصاص، أو اعتماد نموذج، أو انتقال إجراء من إدارة إلى أخرى.
أما أدلة العمل فهي الوثائق التي تجمع هذه الإجراءات وتعرضها بطريقة عملية ومنظمة، لتسهيل التطبيق، وتوحيد الأداء، وتقليل التفاوت بين الموظفين أو الإدارات، ورفع مستوى الجودة والسرعة والانضباط.
وتعد الإجراءات وأدلة العمل من الأدوات المهمة في المستوى التنفيذي اليومي، لأنها تمثل الصورة العملية المباشرة لكيفية تنفيذ الأحكام التنظيمية الأعلى مرتبة داخل الجهة.
فأداة الإصدار يقصد بها الوسيلة الرسمية التي يخرج بها النص إلى الوجود، مثل الأمر الملكي، أو المرسوم الملكي، أو قرار مجلس الوزراء، أو قرار الوزير.
أما نوع الوثيقة فيقصد به الوصف النظامي أو التنظيمي للمحتوى ذاته، مثل النظام، أو التنظيم، أو اللائحة التنظيمية، أو اللائحة التنفيذية، أو القواعد، أو الضوابط، أو السياسات، أو الإجراءات.
وعلى هذا الأساس، فإننا نقول مثلًا: صدر نظام ما بمرسوم ملكي. فكلمة نظام تعبر عن نوع الوثيقة، وكلمة مرسوم ملكي تعبر عن أداة صدورها.
وكذلك قد نقول: صدرت اللائحة التنفيذية بقرار من الوزير المختص. فاللائحة التنفيذية هنا هي نوع الوثيقة، وقرار الوزير هو أداة الإصدار.
يبدأ المستوى الأعلى بالأدوات الملكية ذات الطبيعة العليا، وفي مقدمتها الأمر الملكي في مواضعه المقررة، ثم يأتي المرسوم الملكي بوصفه الأداة الأساسية لصدور الأنظمة العامة والمعاهدات والاتفاقيات والامتيازات.
وبعد ذلك يأتي قرار مجلس الوزراء بوصفه أداة مهمة في إصدار التنظيمات والترتيبات التنظيمية والقرارات العامة ذات الصلة بالإدارة العليا والتنظيم التنفيذي.
ثم تأتي قرارات الوزراء ورؤساء الجهات، وهي الأدوات الأقرب إلى التفصيل التنفيذي والتطبيقي، والتي تصدر بها اللوائح التنفيذية، والقواعد، والضوابط، والتعليمات، والإجراءات الداخلية.
وهذا التدرج يعني أن الأداة الأدنى يجب أن تلتزم بالأداة الأعلى، وأن الوثيقة التنفيذية لا يجوز أن تخالف ما ورد في النظام أو التنظيم الأعلى منها، بل يجب أن تدور في نطاقه وتخدم تطبيقه.
فالأمر الملكي يستخدم في الموضوعات العليا ذات الصلة ببناء الدولة أو القرارات السيادية أو بعض التعيينات والإنشاءات ذات الصفة الخاصة.
والمرسوم الملكي هو الأداة التي تصدر بها الأنظمة العامة، وكذلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات، بعد استكمال الإجراءات النظامية اللازمة.
وقرار مجلس الوزراء يصدر في عدد كبير من الموضوعات التنظيمية والإدارية العامة، ومن ذلك التنظيمات والترتيبات التنظيمية وما في حكمها.
أما قرار الوزير أو رئيس الجهة فيصدر به ما يتعلق بالتفصيل التنفيذي، مثل اللوائح التنفيذية، والقواعد، والضوابط، والتعليمات، والإجراءات، في حدود الاختصاص والتفويض النظامي.
كما أن أنواع الوثائق نفسها تختلف من حيث المضمون؛ فالنظام غير التنظيم، والتنظيم غير اللائحة التنظيمية، وهذه جميعًا تختلف عن اللائحة التنفيذية، كما تختلف القواعد والضوابط والسياسات والإجراءات من حيث الطبيعة والوظيفة والمجال.
وبذلك يتضح أن فهم البناء النظامي السعودي يتطلب دائمًا النظر إلى أمرين مجتمعين: من أصدر الوثيقة، وما طبيعة الوثيقة التي صدرت. ومن اجتماع هذين الأمرين يتبين الموقع الصحيح لكل نص داخل السلم النظامي والتنظيمي في المملكة العربية السعودية.
Share this content:














إرسال التعليق
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.