۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ﰊ
﴿١١﴾سورة يونس تفسير القرطبي
قِيلَ : مَعْنَاهُ وَلَوْ عَجَّلَ اللَّه لِلنَّاسِ الْعُقُوبَة كَمَا يَسْتَعْجِلُونَ الثَّوَاب وَالْخَيْر لَمَاتُوا , لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الدُّنْيَا خَلْقًا ضَعِيفًا , وَلَيْسَ هُمْ كَذَا يَوْم الْقِيَامَة ; لِأَنَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة يُخْلَقُونَ لِلْبَقَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ فَعَلَ اللَّه مَعَ النَّاس فِي إِجَابَته إِلَى الْمَكْرُوه مِثْل مَا يُرِيدُونَ فِعْله مَعَهُمْ فِي إِجَابَته إِلَى الْخَيْر لَأَهْلَكَهُمْ ; وَهُوَ مَعْنَى " لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ " . وَقِيلَ : إِنَّهُ خَاصّ بِالْكَافِرِ ; أَيْ وَلَوْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِ الْعَذَاب عَلَى كُفْره كَمَا عَجَّلَ لَهُ خَيْر الدُّنْيَا مِنْ الْمَال وَالْوَلَد لَعَجَّلَ لَهُ قَضَاء أَجَله لِيَتَعَجَّل عَذَاب الْآخِرَة ; قَالَ اِبْن إِسْحَاق . مُقَاتِل : هُوَ قَوْل النَّضْر بْن الْحَارِث : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء ; فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ هَذَا لَهَلَكُوا . وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الرَّجُل يَدْعُو عَلَى نَفْسه أَوْ مَاله أَوْ وَلَده إِذَا غَضِبَ : اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُ , اللَّهُمَّ لَا تُبَارِك لَهُ فِيهِ وَالْعَنْهُ , أَوْ نَحْو هَذَا ; فَلَوْ اُسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يُسْتَجَاب الْخَيْر لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ . فَالْآيَة نَزَلَتْ ذَامَّة لِخُلُقٍ ذَمِيم هُوَ فِي بَعْض النَّاس يَدْعُونَ فِي الْخَيْر فَيُرِيدُونَ تَعْجِيل الْإِجَابَة ثُمَّ يَحْمِلهُمْ أَحْيَانًا سُوء الْخُلُق عَلَى الدُّعَاء فِي الشَّرّ ; فَلَوْ عُجِّلَ لَهُمْ لَهَلَكُوا .
وَاخْتُلِفَ فِي إِجَابَة هَذَا الدُّعَاء ; فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنِّي سَأَلْت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَسْتَجِيب دُعَاء حَبِيب عَلَى حَبِيبه ) . وَقَالَ شَهْر بْن حَوْشَب : قَرَأْت فِي بَعْض الْكُتُب أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْعَبْدِ : لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِي فِي حَال ضَجَره شَيْئًا ; لُطْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ . قَالَ بَعْضهمْ : وَقَدْ يُسْتَجَاب ذَلِكَ الدُّعَاء , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِر الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه آخِر الْكِتَاب , قَالَ جَابِر : سِرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة بَطْن بُوَاط وَهُوَ يَطْلُب الْمَجْدِيّ بْن عَمْرو الْجُهَنِيّ وَكَانَ النَّاضِح يَعْتَقِبهُ مِنَّا الْخَمْسَة وَالسِّتَّة وَالسَّبْعَة , فَدَارَتْ عُقْبَة رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَلَى نَاضِح لَهُ فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَ , ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْض التَّلَدُّن ; فَقَالَ لَهُ : شَأْ ; لَعَنَك اللَّه ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ هَذَا اللَّاعِن بَعِيره ) ؟ قَالَ : أَنَا يَا رَسُول اللَّه ; قَالَ : ( اِنْزِلْ عَنْهُ فَلَا تَصْحَبنَا بِمَلْعُونٍ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّه سَاعَة يُسْأَل فِيهَا عَطَاء فَيَسْتَجِيب لَكُمْ ) . فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَر فَلَعَنَ رَجُل نَاقَته فَقَالَ : ( أَيْنَ الَّذِي لَعَنَ نَاقَته ) ؟ فَقَالَ الرَّجُل : أَنَا هَذَا يَا رَسُول اللَّه ; فَقَالَ : ( أَخِّرْهَا عَنْك فَقَدْ أُجِبْت فِيهَا ) ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيّ فِي مِنْهَاج الدِّين . " شَأْ " يُرْوَى بِالسِّينِ وَالشِّين , وَهُوَ زَجْر لِلْبَعِيرِ بِمَعْنَى سِرْ .
قَوْله تَعَالَى : " وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه " قَالَ الْعُلَمَاء : التَّعْجِيل مِنْ اللَّه , وَالِاسْتِعْجَال مِنْ الْعَبْد . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُمَا مِنْ اللَّه ; وَفِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ تَعْجِيلًا مِثْل اِسْتِعْجَالهمْ بِالْخَيْرِ , ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وَأَقَامَ صِفَته مَقَامه , ثُمَّ حَذَفَ صِفَته وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه ; هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ . وَعَلَى قَوْل الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء كَاسْتِعْجَالِهِمْ , ثُمَّ حَذَفَ الْكَاف وَنَصَبَ . قَالَ الْفَرَّاء : كَمَا تَقُول ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبك , أَيْ كَضَرْبِك . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلهمْ " . وَهِيَ قِرَاءَة حَسَنَة ; لِأَنَّهُ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " وَلَوْ يُعَجِّل اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرّ " .
أَيْ لَا يُعَجِّل لَهُمْ الشَّرّ فَرُبَّمَا يَتُوب مِنْهُمْ تَائِب , أَوْ يَخْرُج مِنْ أَصْلَابهمْ مُؤْمِن .
أَيْ يَتَحَيَّرُونَ . وَالطُّغْيَان : الْعُلُوّ وَالِارْتِفَاع ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة أَهْل مَكَّة , وَإِنَّهَا نَزَلَتْ حِين قَالُوا : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك " [ الْأَنْفَال : 32 ] الْآيَة , عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم .