قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ﰺ
﴿٥٩﴾سورة يونس تفسير القرطبي
يُخَاطِب كُفَّار مَكَّة .
" مَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِ " أَرَأَيْتُمْ " . وَقَالَ الزَّجَّاج : فِي مَوْضِع نَصْب بِ " أَنْزَلَ " . " وَأَنْزَلَ " بِمَعْنَى خَلَقَ ; كَمَا قَالَ : " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " [ الزُّمَر : 6 ] . " وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد " [ الْحَدِيد : 25 ] . فَيَجُوز أَنْ يُعَبَّر عَنْ الْخَلْق بِالْإِنْزَالِ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْأَرْض مِنْ الرِّزْق إِنَّمَا هُوَ بِمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء مِنْ الْمَطَر .
قَالَ مُجَاهِد : هُوَ مَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ تَحْرِيم الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَامِي . وَقَالَ الضَّحَّاك : هُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا " [ الْأَنْعَام : 136 ] .
أَيْ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم .
" أَمْ " بِمَعْنَى بَلْ .
هُوَ قَوْلهمْ إِنَّ اللَّه أَمَرَنَا بِهَا . الثَّانِيَة : اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ نَفَى الْقِيَاس , وَهَذَا بَعِيد ; فَإِنَّ الْقِيَاس دَلِيل اللَّه تَعَالَى , فَيَكُون التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم مِنْ اللَّه تَعَالَى عِنْد وُجُود دَلَالَة نَصَبَهَا اللَّه تَعَالَى عَلَى الْحُكْم , فَإِنْ خَالَفَ فِي كَوْن الْقِيَاس دَلِيلًا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ خُرُوج عَنْ هَذَا الْغَرَض وَرُجُوع إِلَى غَيْره .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت في عمرو بن جابر بن لؤي وحلفائه، كانوا حرَّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأنزل الله: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً".
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله