خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة يوسف تفسير القرطبي الآية 35
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ﰢ ﴿٣٥﴾

سورة يوسف تفسير القرطبي

أَيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وَأَهْل مَشُورَته " مِنْ بَعْد أَنْ رَأَوْا الْآيَات " أَيْ عَلَامَات بَرَاءَة يُوسُف - مِنْ قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر ; وَشَهَادَة الشَّاهِد , وَحَزّ الْأَيْدِي , وَقِلَّة صَبْرهنَّ عَنْ لِقَاء يُوسُف : أَنْ يَسْجُنُوهُ كِتْمَانًا لِلْقِصَّةِ أَلَّا تَشِيع فِي الْعَامَّة , وَلِلْحَيْلُولَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا . وَقِيلَ : هِيَ الْبَرَكَات الَّتِي كَانَتْ تَنْفَتِح عَلَيْهِمْ مَا دَامَ يُوسُف فِيهِمْ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ مُقَاتِل عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوْا الْآيَات " قَالَ : الْقَمِيص مِنْ الْآيَات , وَشَهَادَة الشَّاهِد مِنْ الْآيَات , وَقَطْع الْأَيْدِي مِنْ الْآيَات , وَإِعْظَام النِّسَاء إِيَّاهُ مِنْ الْآيَات . وَقِيلَ : أَلْجَأَهَا الْخَجَل مِنْ النَّاس , وَالْوَجَل مِنْ الْيَأْس إِلَى أَنْ رَضِيَتْ بِالْحِجَابِ مَكَان خَوْف الذَّهَاب , لِتَشْتَفِيَ إِذَا مُنِعَتْ مِنْ نَظَره , قَالَ : وَمَا صَبَابَة مُشْتَاق عَلَى أَمَل مِنْ اللِّقَاء كَمُشْتَاقٍ بِلَا أَمَل أَوْ كَادَتْهُ رَجَاء أَنْ يَمَلَّ حَبْسه فَيَبْذُل نَفْسه .





" يَسْجُنُنَّهُ " فِي مَوْضِع الْفَاعِل ; أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ ; هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . قَالَ الْمُبَرِّد : وَهَذَا غَلَط ; لَا يَكُون الْفَاعِل جُمْلَة , وَلَكِنَّ الْفَاعِل مَا دَلَّ عَلَيْهِ " بَدَا " وَهُوَ مَصْدَر ; أَيْ بَدَا لَهُمْ بَدَاء ; فَحَذَفَ لِأَنَّ الْفِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَحَقّ لِمَنْ أَبُو مُوسَى أَبُوهُ يُوَفِّقهُ الَّذِي نَصَبَ الْجِبَالَا أَيْ وَحَقَّ الْحَقُّ , فَحَذَفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ثُمَّ بَدَا لَهُمْ رَأْي لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ ; وَحَذَفَ هَذَا لِأَنَّ فِي الْكَلَام دَلِيلًا عَلَيْهِ , وَحَذَفَ أَيْضًا الْقَوْل ; أَيْ قَالُوا : لَيَسْجُنُنَّهُ , وَاللَّام جَوَاب لِيَمِينٍ مُضْمَر ; قَالَهُ الْفَرَّاء , وَهُوَ فِعْل مُذَكَّر لَا فِعْل مُؤَنَّث ; وَلَوْ كَانَ فِعْلًا مُؤَنَّثًا لَكَانَ يَسْجُنَانِهِ ; وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله " لَهُمْ " وَلَمْ يَقُلْ لَهُنَّ , فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ النِّسْوَة وَأَعْوَانهنَّ فَغَلَّبَ الْمُذَكَّر ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَ سَبَب حَبْس يُوسُف أَنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز شَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ شَهَرَهَا وَنَشَرَ خَبَرهَا ; فَالضَّمِير عَلَى هَذَا فِي " لَهُمْ " لِلْمَلِكِ .







أَيْ إِلَى مُدَّة غَيْر مَعْلُومَة ; قَالَهُ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَى اِنْقِطَاع مَا شَاعَ فِي الْمَدِينَة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِلَى سِتَّة أَشْهُر . وَحَكَى إِلْكِيَا أَنَّهُ عَنَى ثَلَاثَة عَشَر شَهْرًا . عِكْرِمَة : تِسْع سِنِينَ . الْكَلْبِيّ : خَمْس سِنِينَ . مُقَاتِل : سَبْع . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي الْحِين وَمَا يَرْتَبِط بِهِ مِنْ الْأَحْكَام . وَقَالَ وَهْب : أَقَامَ فِي السِّجْن اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة . و " حَتَّى " بِمَعْنَى إِلَى ; كَقَوْلِهِ : " حَتَّى مَطْلَع الْفَجْر " [ الْقَدْر : 5 ] . وَجَعَلَ اللَّه الْحَبْس تَطْهِيرًا لِيُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَمّه بِالْمَرْأَةِ . وَكَأَنَّ الْعَزِيز - وَإِنْ عَرَفَ بَرَاءَة يُوسُف - أَطَاعَ الْمَرْأَة فِي سَجْن يُوسُف . قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَثَرَ يُوسُف ثَلَاث عَثَرَات : حِين هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ , وَحِين قَالَ لِلْفَتَى : " اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك " [ يُوسُف : 42 ] فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ , وَحِين قَالَ لِإِخْوَتِهِ : " إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ " [ يُوسُف : 70 ] فَقَالُوا : " إِنْ يَسْرِق فَقَدْ سَرَقَ أَخ لَهُ مِنْ قَبْل " . [ يُوسُف : 77 ] .



أُكْرِهَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْفَاحِشَة بِالسِّجْنِ , وَأَقَامَ خَمْسَة أَعْوَام , وَمَا رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ مَنْزِلَته وَشَرِيف قَدْره ; وَلَوْ أُكْرِهَ رَجُل بِالسِّجْنِ عَلَى الزِّنَا مَا جَازَ لَهُ إِجْمَاعًا . فَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ فَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاء , وَالصَّحِيح أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَادِحًا فَإِنَّهُ يَسْقُط عَنْهُ إِثْم الزِّنَا وَحْده . وَقَدْ قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّهُ لَا يَسْقُط عَنْهُ الْحَدّ , وَهُوَ ضَعِيف ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجْمَع عَلَى عَبْده الْعَذَابَيْنِ , وَلَا يُصَرِّفهُ بَيْن بَلَاءَيْنِ ; فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْحَرَج فِي الدِّين . " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " . [ الْحَجّ : 78 ] . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " النَّحْل " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَصَبَرَ يُوسُف , وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ الْكَيْد , فَاسْتَجَابَ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .