وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ﰰ
﴿٤٩﴾سورة النحل تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ يَسْجُد مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِلَّهِ يَخْضَع وَيَسْتَسْلِم لِأَمْرِهِ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة يَدِبّ عَلَيْهَا , وَالْمَلَائِكَة الَّتِي فِي السَّمَاوَات , وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ التَّذَلُّل لَهُ بِالطَّاعَةِ . { فَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبهمْ مُنْكِرَة وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } 16 22 وَظِلَالهمْ تَتَفَيَّأ عَنْ الْيَمِين وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : اُجْتُزِئَ بِذِكْرِ الْوَاحِد مِنْ الدَّوَابّ عَنْ ذِكْر الْجَمِيع . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَلِلَّهِ يَسْجُد مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الدَّوَابّ وَالْمَلَائِكَة , كَمَا يُقَال : مَا أَتَانِي مِنْ رَجُل , بِمَعْنَى : مَا أَتَانِي مِنْ الرِّجَال . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : إِنَّمَا قِيلَ : مِنْ دَابَّة , لِأَنَّ " مَا " وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُون عَلَى مَذْهَب الَّذِي , فَإِنَّهَا غَيْر مُؤَقَّتَة , فَإِذَا أُبْهِمَتْ غَيْر مُؤَقَّتَة أَشْبَهَتْ الْجَزَاء , وَالْجَزَاء يَدْخُل مَنْ فِيمَا جَاءَ مِنْ اِسْم بَعْده مِنْ النَّكِرَة , فَيُقَال : مَنْ ضَرَبَهُ مِنْ رَجُل فَاضْرِبُوهُ , وَلَا تَسْقُط " مِنْ " مِنْ هَذَا الْمَوْضِع كَرَاهِيَة أَنْ تُشْبِه أَنْ تَكُون حَالًا لِ " مَنْ " و " مَا " , فَجَعَلُوهُ بِمَنْ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِير لِمَا وَمَنْ لِأَنَّهُمَا غَيْر مُؤَقَّتَتَيْنِ , فَكَانَ دُخُول مَنْ فِيمَا بَعْدهمَا تَفْسِيرًا لِمَعْنَاهُمَا , وَكَانَ دُخُول مَنْ أَدَلّ عَلَى مَا لَمْ يُوَقَّت مِنْ مَنْ وَمَا , فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْغَيَا .