ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ﰀ
﴿١﴾سورة الكهف تفسير الجلالين
"الْحَمْد" وَهُوَ الْوَصْف بِالْجَمِيلِ ثَابِت "لِلَّهِ" تَعَالَى وَهَلْ الْمُرَاد الْإِعْلَام بِذَلِكَ لِلْإِيمَانِ بِهِ أَوْ الثَّنَاء بِهِ أَوْ هُمَا ؟ احْتِمَالَات أَفْيَدهَا الثَّالِث "الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده" مُحَمَّد "الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَلَمْ يَجْعَل لَهُ" أَيْ فِيهِ "عِوَجًا" اخْتِلَافًا أَوْ تَنَاقُضًا وَالْجُمْلَة حَال مِنْ الْكِتَاب
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت في قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، وذلك أن قريشاً بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره، وأخبروهم ببعض قوله، وقالوا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم به فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عما أمرهم به اليهود، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبركم بما سألتم عنه غداً". ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه. وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف، وقول الله تعالى في الروح. وقد قيل: إن السورة كلها مدنية، إلا قوله "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" فإنها نزلت في الفقراء بمكة، حيث طلب المشركون من النبي أن يطردهم من حوله.
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله