أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ﰒ
﴿١٩﴾سورة البقرة تفسير القرطبي
قَالَ الطَّبَرِيّ : " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاو , وَقَالَهُ الْفَرَّاء . وَأَنْشَدَ : وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِر لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورهَا وَقَالَ آخَر : نَالَ الْخِلَافَة أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر أَيْ وَكَانَتْ . وَقِيلَ : " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ أَيْ مَثَّلُوهُمْ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا , لَا عَلَى الِاقْتِصَار عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَوْ كَأَصْحَابِ صَيِّب . وَالصَّيِّب : الْمَطَر . وَاشْتِقَاقه مِنْ صَابَ يَصُوب إِذَا نَزَلَ , قَالَ عَلْقَمَة : فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْن مُغَمَّر سَقَتْك رَوَايَا الْمُزْن حَيْثُ تَصُوب وَأَصْله : صَيْوِب , اِجْتَمَعَتْ الْيَاء وَالْوَاو وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء وَأُدْغِمَتْ , كَمَا فَعَلُوا فِي مَيِّت وَسَيِّد وَهَيِّن وَلَيِّن . وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ : أَصْله صَوِيب عَلَى مِثَال فَعِيل . قَالَ النَّحَّاس : " لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَمَا جَازَ إِدْغَامه , كَمَا لَا يَجُوز إِدْغَام طَوِيل . وَجَمْع صَيِّب صَيَايِب . وَالتَّقْدِير فِي الْعَرَبِيَّة : مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَارًا أَوْ كَمَثَلِ صَيِّب " . قَوْله تَعَالَى : " مِنْ السَّمَاء " السَّمَاء تُذَكَّر وَتُؤَنَّث , وَتُجْمَع عَلَى أَسْمِيَة وَسَمَوَات وَسُمِيّ , عَلَى فُعُول , قَالَ الْعَجَّاج : تَلُفّهُ الرِّيَاح وَالسُّمِيّ وَالسَّمَاء : كُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك , وَمِنْهُ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْت : سَمَاء . وَالسَّمَاء : الْمَطَر , سُمِّيَ بِهِ لِنُزُولِهِ مِنْ السَّمَاء . قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : دِيَار مِنْ بَنِي الْحَسْحَاس قَفْر تُعَفِّيهَا الرَّوَامِس وَالسَّمَاء وَقَالَ آخَر : إِذَا سَقَطَ السَّمَاء بِأَرْضِ قَوْم رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا وَيُسَمَّى الطِّين وَالْكَلَأ أَيْضًا سَمَاء , يُقَال : مَا زِلْنَا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ . يُرِيدُونَ الْكَلَأ وَالطِّين . وَيُقَال لِظَهْرِ الْفَرَس أَيْضًا سَمَاء لِعُلُوِّهِ , قَالَ : وَأَحْمَر كَالدِّيبَاجِ أَمَّا سَمَاؤُهُ فَرَيَّا وَأَمَّا أَرْضه فَمُحُول وَالسَّمَاء : مَا عَلَا . وَالْأَرْض : مَا سَفَلَ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
قَوْله تَعَالَى : " فِيهِ ظُلُمَات " اِبْتِدَاء وَخَبَر " وَرَعْد وَبَرْق " مَعْطُوف عَلَيْهِ . وَقَالَ ظُلُمَات بِالْجَمْعِ إِشَارَة إِلَى ظُلْمَة اللَّيْل وَظُلْمَة الدَّجْن , وَهُوَ الْغَيْم , وَمِنْ حَيْثُ تَتَرَاكَب وَتَتَزَايَد جُمِعَتْ . وَقَدْ مَضَى مَا فِيهِ مِنْ اللُّغَات فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ , وَكَذَا كُلّ مَا تَقَدَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّعْد , فَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : سَأَلَتْ الْيَهُود النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّعْد مَا هُوَ ؟ قَالَ : ( مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة مُوَكَّل بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيق مِنْ نَار يَسُوق بِهَا السَّحَاب حَيْثُ شَاءَ اللَّه ) . فَقَالُوا : فَمَا هَذَا الصَّوْت الَّذِي نَسْمَع ؟ قَالَ : ( زَجْره بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ أَمَرَ اللَّه ) قَالُوا : صَدَقْت . الْحَدِيث بِطُولِهِ . وَعَلَى هَذَا التَّفْسِير أَكْثَر الْعُلَمَاء . فَالرَّعْد : اِسْم الصَّوْت الْمَسْمُوع , وَقَالَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَهُوَ الْمَعْلُوم فِي لُغَة الْعَرَب , وَقَدْ قَالَ لَبِيد فِي جَاهِلِيَّته : فَجَّعَنِي الرَّعْد وَالصَّوَاعِق بِالْ فَارِس يَوْم الْكَرِيهَة النَّجِد وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الرَّعْد رِيح تَخْتَنِق بَيْن السَّحَاب فَتُصَوِّت ذَلِكَ الصَّوْت . وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَرْق , فَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ : الْبَرْق مِخْرَاق حَدِيد بِيَدِ الْمَلَك يَسُوق بِهِ السَّحَاب . قُلْت : وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ حَدِيث التِّرْمِذِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا هُوَ سَوْط مِنْ نُور بِيَدِ الْمَلَك يَزْجُر بِهِ السَّحَاب . وَعَنْهُ أَيْضًا الْبَرْق مَلَك يَتَرَاءَى . وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَة : الرَّعْد صَوْت اِصْطِكَاك أَجْرَام السَّحَاب . وَالْبَرْق مَا يَنْقَدِح مِنْ اِصْطِكَاكهَا . وَهَذَا مَرْدُود لَا يَصِحّ بِهِ نَقْل , وَاَللَّه أَعْلَم . وَيُقَال : أَصْل الرَّعْد مِنْ الْحَرَكَة , وَمِنْهُ الرِّعْدِيد لِلْجَبَانِ . وَارْتَعَدَ : اِضْطَرَبَ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَد فَرَائِصهمَا ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَالْبَرْق أَصْله مِنْ الْبَرِيق وَالضَّوْء , وَمِنْهُ الْبُرَاق : دَابَّة رَكِبَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ وَرَكِبَهَا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام قَبْله . وَرَعَدَتْ السَّمَاء مِنْ الرَّعْد , وَبَرَقَتْ مِنْ الْبَرْق . وَرَعَدَتْ الْمَرْأَة وَبَرَقَتْ : تَحَسَّنَتْ وَتَزَيَّنَتْ . وَرَعَدَ الرَّجُل وَبَرَقَ : تَهَدَّدَ وَأَوْعَدَ , قَالَ اِبْن أَحْمَر : يَا جُلّ مَا بَعُدَتْ عَلَيْك بِلَادنَا وَطِلَابنَا فَابْرُقْ بِأَرْضِك وَارَعْد وَأَرْعَدَ الْقَوْم وَأَبْرَقُوا : أَصَابَهُمْ رَعْد وَبَرْق . وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو : أَرْعَدَتْ السَّمَاء وَأَبْرَقَتْ , وَأَرْعَدَ الرَّجُل وَأَبْرَقَ إِذَا تَهَدَّدَ وَأَوْعَدَ , وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيّ . وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْكُمَيْت : أَبْرِقْ وَأَرْعِدْ يَا يَزِيـ دُ فَمَا وَعِيدك لِي بِضَائِرْ فَقَالَ : لَيْسَ الْكُمَيْت بِحُجَّةٍ . فَائِدَة : رَوَى اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُنَّا مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي سَفْرَة بَيْن الْمَدِينَة وَالشَّام وَمَعَنَا كَعْب الْأَحْبَار , قَالَ : فَأَصَابَتْنَا رِيح وَأَصَابَنَا رَعْد وَمَطَر شَدِيد وَبَرْد , وَفَرِقَ النَّاس . قَالَ فَقَالَ لِي كَعْب : إِنَّهُ مَنْ قَالَ حِين يَسْمَع الرَّعْد : سُبْحَان مَنْ يُسَبِّح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة مِنْ خِيفَته , عُوفِيَ مِمَّا يَكُون فِي ذَلِكَ السَّحَاب وَالْبَرْد وَالصَّوَاعِق . قَالَ : فَقُلْتهَا أَنَا وَكَعْب , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَاجْتَمَعَ النَّاس قُلْت لِعُمَر : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , كَأَنَّا كُنَّا فِي غَيْر مَا كَانَ فِيهِ النَّاس قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : فَحَدَّثْته حَدِيث كَعْب . قَالَ : سُبْحَان اللَّه أَفَلَا قُلْتُمْ لَنَا فَنَقُول كَمَا قُلْتُمْ فِي رِوَايَة فَإِذَا بَرَدَة قَدْ أَصَابَتْ أَنْف عُمَر فَأَثَّرَتْ بِهِ . وَسَتَأْتِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي سُورَة " الرَّعْد " إِنْ شَاءَ اللَّه . ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ أَبُو بَكْر بْن عَلِيّ بْن ثَابِت الْخَطِيب فِي رِوَايَات الصَّحَابَة عَنْ التَّابِعِينَ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَعَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْد وَالصَّوَاعِق قَالَ : ( اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلنَا بِغَضَبِك وَلَا تُهْلِكنَا بِعَذَابِك وَعَافِنَا قَبْل ذَلِكَ ) .
جَعْلهمْ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا الْقُرْآن فَيُؤْمِنُوا بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام , وَذَلِكَ عِنْدهمْ كُفْر وَالْكُفْر مَوْت . وَفِي وَاحِد الْأَصَابِع خَمْس لُغَات : إِصْبَع بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَفَتْح الْبَاء , وَأَصْبِع بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْبَاء , وَيُقَال بِفَتْحِهِمَا جَمِيعًا , وَضَمّهمَا جَمِيعًا , وَبِكَسْرِهِمَا جَمِيعًا , /و هِيَ مُؤَنَّثَة . وَكَذَلِكَ الْأُذُن وَتُخَفَّف وَتُثَقَّل وَتُصَغَّر , فَيُقَال : أُذَيْنَة . وَلَوْ سَمَّيْت بِهَا رَجُلًا ثُمَّ صَغَّرْته قُلْت : أُذَيْن , فَلَمْ تُؤَنَّث لِزَوَالِ التَّأْنِيث عَنْهُ بِالنَّقْلِ إِلَى الْمُذَكَّر فَأَمَّا قَوْلهمْ : أُذَيْنَة فِي الِاسْم الْعَلَم فَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ مُصَغَّرًا , وَالْجَمْع آذَان . وَتَقُول : أَذَنْته إِذَا ضَرَبْت أُذُنه . وَرَجُل أُذُن : إِذَا كَانَ يَسْمَع كَلَام كُلّ أَحَد , يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع . وَأَذَانِيّ : عَظِيم الْأُذُنَيْنِ . وَنَعْجَة أَذْنَاء , وَكَبْش آذَن . وَأَذَّنْت النَّعْل وَغَيْرهَا تَأْذِينًا : إِذَا جَعَلْت لَهَا أُذُنًا . وَأَذَّنْت الصَّبِيّ : عَرَكْت أُذُنه .
أَيْ مِنْ أَجْل الصَّوَاعِق . وَالصَّوَاعِق جَمْع صَاعِقَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : إِذَا اِشْتَدَّ غَضَب الرَّعْد الَّذِي هُوَ الْمَلَك طَارَ النَّار مِنْ فِيهِ وَهِيَ الصَّوَاعِق . وَكَذَا قَالَ الْخَلِيل , قَالَ : هِيَ الْوَاقِعَة الشَّدِيدَة مِنْ صَوْت الرَّعْد , يَكُون مَعَهَا أَحْيَانًا قِطْعَة نَار تُحْرِق مَا أَتَتْ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو زَيْد : الصَّاعِقَة نَار تَسْقُط مِنْ السَّمَاء فِي رَعْد شَدِيد . وَحَكَى الْخَلِيل عَنْ قَوْم : السَّاعِقَة ( بِالسِّينِ ) . وَقَالَ أَبُو بَكْر النَّقَّاش : يُقَال صَاعِقَة وَصَعْقَة وَصَاقِعَة بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَرَأَ الْحَسَن : مِنْ " الصَّوَاقِع " ( بِتَقْدِيمِ الْقَاف ) , وَمِنْهُ قَوْل أَبِي النَّجْم : يَحْكُونَ بِالْمَصْقُولَةِ الْقَوَاطِع تَشَقُّق الْبَرْق عَنْ الصَّوَاقِع قَالَ النَّحَّاس : وَهِيَ لُغَة تَمِيم وَبَعْض بَنِي رَبِيعَة . وَيُقَال : صَعِقَتهمْ السَّمَاء إِذَا أَلْقَتْ عَلَيْهِمْ . الصَّاعِقَة . وَالصَّاعِقَة أَيْضًا صَيْحَة الْعَذَاب , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَة الْعَذَاب الْهُون " [ فُصِّلَتْ : 17 ] وَيُقَال : صَعِقَ الرَّجُل صَعْقَة وَتَصْعَاقًا , أَيْ غُشِيَ عَلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " [ الْأَعْرَاف : 143 ] فَأَصْعَقَهُ غَيْره . قَالَ اِبْن مُقْبِل : تَرَى النُّعَرَات الزُّرْق تَحْت لَبَانه أُحَاد وَمَثْنَى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِله وَقَوْله تَعَالَى : " فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض " [ الزُّمَر : 68 ] أَيْ مَاتَ . وَشَبَّهَ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَحْوَال الْمُنَافِقِينَ بِمَا فِي الصَّيِّب مِنْ الظُّلُمَات وَالرَّعْد وَالْبَرْق وَالصَّوَاعِق . فَالظُّلُمَات مَثَل لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ الْكُفْر , وَالرَّعْد وَالْبَرْق مَثَل لِمَا يُخَوَّفُونَ بِهِ . وَقِيلَ : مَثَّلَ اللَّه تَعَالَى الْقُرْآن بِالصَّيِّبِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال عَلَيْهِمْ , وَالْعَمَى هُوَ الظُّلُمَات , وَمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيد وَالزَّجْر هُوَ الرَّعْد , وَمَا فِيهِ مِنْ النُّور وَالْحُجَج الْبَاهِرَة الَّتِي تَكَاد أَحْيَانًا أَنْ تَبْهَرهُمْ هُوَ الْبَرْق . وَالصَّوَاعِق , مَثَل لِمَا فِي الْقُرْآن مِنْ الدُّعَاء إِلَى الْقِتَال فِي الْعَاجِل وَالْوَعِيد فِي الْآجِل . وَقِيلَ : الصَّوَاعِق تَكَالِيف الشَّرْع الَّتِي يَكْرَهُونَهَا مِنْ الْجِهَاد وَالزَّكَاة وَغَيْرهمَا .
حَذَر وَحَذَارِ بِمَعْنًى , وَقُرِئَ بِهِمَا . قَالَ سِيبَوَيْهِ : هُوَ مَنْصُوب , لِأَنَّهُ مَوْقُوع لَهُ أَيّ مَفْعُول مِنْ أَجْله , وَحَقِيقَته أَنَّهُ مَصْدَر , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : وَأَغْفِر عَوْرَاء الْكَرِيم اِدِّخَاره وَأُعْرِض عَنْ شَتْم اللَّئِيم تَكَرُّمَا وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز , وَالْمَوْت : ضِدّ الْحَيَاة . وَقَدْ مَاتَ يَمُوت , وَيَمَات أَيْضًا , قَالَ الرَّاجِز : بُنَيَّتِي سَيِّدَة الْبَنَات عِيشِي وَلَا يُؤْمَن أَنْ تَمَاتِي فَهُوَ مَيِّت وَمَيْت , وَقَوْم مَوْتَى وَأَمْوَات وَمَيِّتُونَ وَمَيْتُونَ . وَالْمُوَات ( بِالضَّمِّ ) : الْمَوْت . وَالْمَوَات ( بِالْفَتْحِ ) : مَا لَا رُوح فِيهِ . وَالْمَوَات أَيْضًا : الْأَرْض الَّتِي لَا مَالِك لَهَا مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَلَا يَنْتَفِع بِهَا أَحَد . وَالْمَوَتَان ( بِالتَّحْرِيكِ ) : خِلَاف الْحَيَوَان , يُقَال : اِشْتَرِ الْمَوَتَان , وَلَا تَشْتَرِ الْحَيَوَان , أَيْ اِشْتَرِ الْأَرَضِينَ وَالدُّور , وَلَا تَشْتَرِ الرَّقِيق وَالدَّوَابّ . وَالْمُوتَان ( بِالضَّمِّ ) : مَوْت يَقَع فِي الْمَاشِيَة , يُقَال : وَقَعَ فِي الْمَال مُوتَان . وَأَمَاتَهُ اللَّه وَمَوَّتَهُ , شُدِّدَ لِلْمُبَالَغَةِ . وَقَالَ : فَعُرْوَة مَاتَ مَوْتًا مُسْتَرِيحًا فَهَأَنَذَا أُمَوَّت كُلّ يَوْم وَأَمَاتَتْ النَّاقَة إِذَا مَاتَ وَلَدهَا , فَهِيَ مُمِيت وَمُمِيتَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة , وَجَمْعهَا مَمَاوِيت . قَالَ اِبْن السِّكِّيت : أَمَاتَ فُلَان إِذَا مَاتَ لَهُ اِبْن أَوْ بَنُونَ . وَالْمُتَمَاوِت مِنْ صِفَة النَّاسِك الْمُرَائِي وَمَوْت مَائِت , كَقَوْلِك : لَيْل لَائِل , يُؤْخَذ مِنْ لَفْظه مَا يُؤَكَّد بِهِ . وَالْمُسْتَمِيت لِلْأَمْرِ : الْمُسْتَرْسِل لَهُ , قَالَ رُؤْبَة : وَزَبَد الْبَحْر لَهُ كَتِيت وَاللَّيْل فَوْق الْمَاء مُسْتَمِيت الْمُسْتَمِيت أَيْضًا : الْمُسْتَقْتِل الَّذِي لَا يُبَالِي فِي الْحَرْب مِنْ الْمَوْت , وَفِي الْحَدِيث : ( أَرَى الْقَوْم مُسْتَمِيتِينَ ) وَهُمْ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْمَوْت . وَالْمُوتَة ( بِالضَّمِّ ) : جِنْس مِنْ الْجُنُون وَالصَّرَع يَعْتَرِي الْإِنْسَان , فَإِذَا أَفَاقَ عَادَ إِلَيْهِ كَمَال عَقْله كَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَان . وَمُؤْتَة ( بِضَمِّ الْمِيم وَهَمْز الْوَاو ) : اِسْم أَرْض قُتِلَ بِهَا جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب عَلَيْهِ السَّلَام .
اِبْتِدَاء وَخَبَر , أَيْ لَا يَفُوتُونَهُ . يُقَال : أَحَاطَ السُّلْطَان بِفُلَانٍ إِذَا أَخَذَهُ أَخْذًا حَاصِرًا مِنْ كُلّ جِهَة , قَالَ الشَّاعِر : أَحَطْنَا بِهِمْ حَتَّى إِذَا مَا تَيَقَّنُوا بِمَا قَدْ رَأَوْا مَالُوا جَمِيعًا إِلَى السِّلْم وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ " [ الْكَهْف : 42 ] . وَأَصْله مُحْيِط , نُقِلَتْ حَرَكَة الْيَاء إِلَى الْحَاء فَسُكِّنَتْ . فَاَللَّه سُبْحَانه مُحِيط بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَات , أَيْ هِيَ فِي قَبْضَته وَتَحْت قَهْره , كَمَا قَالَ : " وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة " [ الزُّمَر : 67 ] . وَقِيلَ : " مُحِيط بِالْكَافِرِينَ " أَيْ عَالِم بِهِمْ . دَلِيله : " وَأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا " [ الطَّلَاق : 12 ] . وَقِيلَ : مُهْلِكهمْ وَجَامِعهمْ . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ يُحَاط بِكُمْ " [ يُوسُف : 66 ] أَيْ إِلَّا أَنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا . وَخَصَّ الْكَافِرِينَ بِالذِّكْرِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرهمْ فِي الْآيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .