خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة البقرة تفسير القرطبي الآية 56
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﰷ ﴿٥٦﴾

سورة البقرة تفسير القرطبي

أَيْ أَحْيَيْنَاكُمْ قَالَ قَتَادَة مَاتُوا وَذَهَبَتْ أَرْوَاحهمْ ثُمَّ رُدُّوا لِاسْتِيفَاءِ آجَالِهِمْ قَالَ النَّحَّاس وَهَذَا اِحْتِجَاج عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِن بِالْبَعْثِ مِنْ قُرَيْش وَاحْتِجَاج عَلَى أَهْل الْكِتَاب إِذْ خُبِّرُوا بِهَذَا وَالْمَعْنَى " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " مَا فُعِلَ بِكُمْ مِنْ الْبَعْث بَعْد الْمَوْت وَقِيلَ مَاتُوا مَوْت هُمُود يَعْتَبِر بِهِ الْغَيْر ثُمَّ أُرْسِلُوا وَأَصْل الْبَعْث الْإِرْسَال وَقِيلَ بَلْ أَصْله إِثَارَة الشَّيْء مِنْ مَحَلّه يُقَال بَعَثَتْ النَّاقَة أَثَرَتهَا أَيْ حَرَّكَتْهَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس وَفَتَيَانِ صِدْق قَدْ بَعَثْت بِسُحْرَةٍ فَقَامُوا جَمِيعًا بَيْن عَاثٍ وَنَشْوَان وَقَالَ عَنْتَرَة وَصَحَابَة شُمّ الْأُنُوف بَعَثْتهمْ لَيْلًا وَقَدْ مَالَ الْكرَى بُطْلَاهَا وَقَالَ بَعْضهمْ " بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْد مَوْتكُمْ " [ الْبَقَرَة : 56 ] عَلَّمْنَاكُمْ مِنْ بَعْد جَهْلكُمْ قُلْت وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّ الْأَصْل الْحَقِيقَة وَكَانَ مَوْت عُقُوبَة وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارهمْ وَهُمْ أُلُوف حَذَر الْمَوْت فَقَالَ لَهُمْ اللَّه مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ " عَلَى مَا يَأْتِي [ الْبَقَرَة : 243 ] قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَاخْتُلِفَ فِي بَقَاء تَكْلِيف مِنْ أُعِيدَ بَعْد مَوْته وَمُعَايَنَة الْأَحْوَال الْمُضْطَرَّة إِلَى الْمَعْرِفَة عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا بَقَاء تَكْلِيفهمْ لِئَلَّا يَخْلُو عَاقِل مِنْ تَعَبُّد الثَّانِي سُقُوط تَكْلِيفهمْ مُعْتَبَرًا بِالِاسْتِدْلَالِ دُون الِاضْطِرَار قُلْت : وَالْأَوَّل أَصَحّ فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَدْ رَأَوْا الْجَبَل فِي الْهَوَاء سَاقِطًا عَلَيْهِمْ وَالنَّار مُحِيطَة بِهِمْ , وَذَلِكَ مِمَّا اِضْطَرَّهُمْ إِلَى الْإِيمَان , وَبَقَاء التَّكْلِيف ثَابِت عَلَيْهِمْ وَمِثْلهمْ قَوْم يُونُس وَمُحَال أَنْ يَكُونُوا غَيْر مُكَلَّفِينَ وَاَللَّه أَعْلَم