وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ﰍ
﴿١٤﴾سورة البقرة تفسير السعدي
هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وذلك أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين, أظهروا أنهم على طريقتهم, وأنهم معهم, فإذا خلو إلى شياطينهم - أي كبرائهم ورؤسائهم بالشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة, وإنما نحن مستهزئون بالمؤمنين بإظهارنا لهم, أنا على طريقتهم.
فهذه حالهم الباطنة والظاهرة, ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم": نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب القوي في دين الله الفاروق الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله. ثم افترقوا، فقال ابن أُبي لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً. فقال المسلمون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قال إخوانكم خيراً وأثنوا عليكم. فقالوا: لا والله ما هؤلاء بإخواننا، أعداء الله، يثنون علينا في وجوهنا بما ليس فيهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله