خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة طه تفسير القرطبي الآية 18
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ﰑ ﴿١٨﴾

سورة طه تفسير القرطبي

أَيْ أَتَحَامَل عَلَيْهَا فِي الْمَشْي وَالْوُقُوف ; وَمِنْهُ الِاتِّكَاء





" وَأَهِشّ " أَيْضًا ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَهِيَ قِرَاءَة النَّخَعِيّ , أَيْ أَخْبِط بِهَا الْوَرَق , أَيْ أَضْرِب أَغْصَان الشَّجَر لِيَسْقُط وَرَقهَا , فَيَسْهُل عَلَى غَنَمِي تَنَاوُله فَتَأْكُلهُ . قَالَ الرَّاجِز : أَهُشّ بِالْعَصَا عَلَى أَغْنَامِي مِنْ نَاعِم الْأَرَاك وَالْبَشَام يُقَال : هَشَّ عَلَى غَنَمه يَهُشّ بِضَمِّ الْهَاء فِي الْمُسْتَقْبَل . وَهَشَّ إِلَى الرَّجُل يَهَشّ بِالْفَتْحِ وَكَذَلِكَ هَشَّ لِلْمَعْرُوفِ يَهَشّ وَهَشِشْت أَنَا : وَفِي حَدِيث عُمَر : هَشِشْت يَوْمًا فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِم . قَالَ شِمْر : أَيْ فَرِحْت وَاشْتَهَيْت . قَالَ : وَيَجُوز هَاشَ بِمَعْنَى هَشَّ . قَالَ الرَّاعِي فَكَبَّرَ لِلرُّؤْيَا وَهَاشَ فُؤَاده وَبَشَّرَ نَفْسًا كَانَ قَبْل يَلُومهَا أَيْ طَرِب . وَالْأَصْل فِي الْكَلِمَة الرَّخَاوَة . يُقَال رَجُل هَشّ وَزَوْج هَشّ . وَقَرَأَ عِكْرِمَة " وَأَهُسُّ " بِالسِّينِ غَيْر مُعْجَمَة ; قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِف ; فَالْهَشّ بِالْإِعْجَامِ خَبْط الشَّجَر ; وَالْهَسّ بِغَيْرِ إِعْجَام زَجْر الْغَنَم ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ ; وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ . وَعَنْ عِكْرِمَة : " وَأَهُسُّ " بِالسِّينِ أَيْ أَنْحَى عَلَيْهَا زَاجِرًا لَهَا وَالْهَسّ زَجْر الْغَنَم .







أَيْ حَوَائِج . وَِدهَا مَأْرُبَة وَمَأْرَبَة وَمَأْرِبَة . وَقَالَ : " أُخْرَى " عَلَى صِيغَة الْوَاحِد ; لِأَنَّ مَآرِب فِي مَعْنَى الْجَمَاعَة , لَكِنَّ الْمَهْيَع فِي تَوَابِع جَمْع مَا لَا يَعْقِل الْإِفْرَاد وَالْكِنَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْوَاحِدَة الْمُؤَنَّثَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " [ الْأَعْرَاف : 180 ] وَكَقَوْلِهِ " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " [ سَبَأ : 10 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْأَعْرَاف " .



تَعَرَّضَ قَوْم لِتَعْدِيدِ مَنَافِع الْعَصَا مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا اِنْتَهَيْت إِلَى رَأْس بِئْر فَقَصُرَ الرِّشَا وَصَلْته بِالْعَصَا , وَإِذَا أَصَابَنِي حَرّ الشَّمْس غَرَزْتهَا فِي الْأَرْض وَأَلْقَيْت عَلَيْهَا مَا يُظِلّنِي , وَإِذَا خِفْت شَيْئًا مِنْ هَوَامّ الْأَرْض قَتَلْته بِهَا , وَإِذَا مَشَيْت أَلْقَيْتهَا عَلَى عَاتِقِي وَعَلَّقْت عَلَيْهَا الْقَوْس وَالْكِنَانَة وَالْمِخْلَاة , وَأُقَاتِل بِهَا السِّبَاع عَنْ الْغَنَم . وَرُوِيَ عَنْهُ مَيْمُون بْن مِهْرَان قَالَ : إِمْسَاك الْعَصَا سُنَّة لِلْأَنْبِيَاءِ , وَعَلَامَة لِلْمُؤْمِنِ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : فِيهَا سِتّ خِصَال ; سُنَّة لِلْأَنْبِيَاءِ , وَزِينَة الصُّلَحَاء , وَسِلَاح عَلَى الْأَعْدَاء , وَعَوْن لِلضُّعَفَاءِ , وَغَمّ الْمُنَافِقِينَ , وَزِيَادَة فِي الطَّاعَات . وَيُقَال : إِذَا كَانَ مَعَ الْمُؤْمِن الْعَصَا يَهْرُب مِنْهُ الشَّيْطَان , وَيَخْشَع مِنْهُ الْمُنَافِق وَالْفَاجِر , وَتَكُون قِبْلَته إِذَا صَلَّى , وَقُوَّة إِذَا أَعْيَا . وَلَقِيَ الْحَجَّاج أَعْرَابِيًّا فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت يَا أَعْرَابِيّ ؟ قَالَ : مِنْ الْبَادِيَة . قَالَ : وَمَا فِي يَدك ؟ قَالَ : عَصَايَ أُرَكِّزهَا لِصَلَاتِي , وَأَعُدّهَا لِعِدَاتِي , وَأَسُوق بِهَا دَابَّتِي , وَأَقْوَى بِهَا عَلَى سَفَرِي , وَأَعْتَمِد بِهَا فِي مِشْيَتِي لِتَتَّسِع خُطْوَتِي , وَأَثِب بِهَا النَّهْر , وَتُؤْمِننِي مِنْ الْعَثْر , وَأُلْقِي عَلَيْهَا كِسَائِي فَيَقِينِي الْحَرّ , وَيُدْفِئنِي مِنْ الْقُرّ , وَتُدْنِي إِلَيَّ مَا بَعُدَ مِنِّي , وَهِيَ مَحْمَل سُفْرَتِي , وَعَلَاقَة إِدَاوَتِي , أَعْصِي بِهَا عِنْد الضِّرَاب , وَأَقْرَع بِهَا الْأَبْوَاب , وَأَتَّقِي بِهَا عَقُور الْكِلَاب ; وَتَنُوب عَنْ الرُّمْح فِي الطِّعَان ; وَعَنْ السَّيْف عِنْد مُنَازَلَة الْأَقْرَان ; وَرِثْتهَا عَنْ أَبِي , وَأُوَرِّثهَا بَعْدِي اِبْنِي , وَأَهُشّ بِهَا عَلَى غَنَمِي , وَلِيَ فِيهَا مَآرِب أُخْرَى , كَثِيرَة لَا تُحْصَى . قُلْت : مَنَافِع الْعَصَا كَثِيرَة , وَلَهَا مَدْخَل فِي مَوَاضِع مِنْ الشَّرِيعَة : مِنْهَا أَنَّهَا تُتَّخَذ قِبْلَة فِي الصَّحْرَاء ; وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنَزَة تُرْكَز لَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا , وَكَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْم الْعِيد أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَع بَيْن يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ; وَذَلِكَ ثَابِت فِي الصَّحِيح . وَالْحَرْبَة وَالْعَنَزَة وَالنَّيْزَك وَالْآلَة اِسْم لِمُسَمًّى وَاحِد . وَكَانَ لَهُ مِحْجَن وَهُوَ عَصَا مُعْوَجَّة الطَّرَف يُشِير بِهِ إِلَى الْحَجَر إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقَبِّلهُ ; ثَابِت فِي الصَّحِيح أَيْضًا . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد أَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَتَمِيمًا الدَّارِيّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَة رَكْعَة , وَكَانَ الْقَارِئ يَقْرَأ بِالْمِئِين حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِد عَلَى الْعِصِيّ مِنْ طُول الْقِيَام , وَمَا كُنَّا نَنْصَرِف إِلَّا فِي بُزُوغ الْفَجْر . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ لَهُ مِخْصَرَة . وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ الْخَطِيب يَخْطُب مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْف أَوْ عَصًا , فَالْعَصَا مَأْخُوذَة مِنْ أَصْل كَرِيم , وَمَعْدِن شَرِيف , وَلَا يُنْكِرهَا إِلَّا جَاهِل . وَقَدْ جَمَعَ اللَّه لِمُوسَى فِي عَصَاهُ مِنْ الْبَرَاهِين الْعِظَام , وَالْآيَات الْجِسَام , مَا آمَنَ بِهِ السَّحَرَة الْمُعَانِدُونَ . وَاِتَّخَذَهَا سُلَيْمَان لِخُطْبَتِهِ وَمَوْعِظَته وَطُول صَلَاته . وَكَانَ اِبْن مَسْعُود صَاحِب عَصَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنَزَته ; وَكَانَ يَخْطُب بِالْقَضِيبِ - وَكَفَى بِذَلِكَ فَضْلًا عَلَى شَرَف حَال الْعَصَا - وَعَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاء وَكُبَرَاء الْخُطَبَاء , وَعَادَة الْعَرَب الْعَرْبَاء , الْفُصَحَاء اللَّسِن الْبُلَغَاء أَخْذ الْمِخْصَرَة وَالْعَصَا وَالِاعْتِمَاد عَلَيْهَا عِنْد الْكَلَام , وَفِي الْمَحَافِل وَالْخُطَب . وَأَنْكَرَتْ الشُّعُوبِيَّة عَلَى خُطَبَاء الْعَرَب أَخْذ الْمِخْصَرَة وَالْإِشَارَة بِهَا إِلَى الْمَعَانِي . وَالشُّعُوبِيَّة تُبْغِض الْعَرَب وَتُفَضِّل الْعَجَم . قَالَ مَالِك : كَانَ عَطَاء بْن السَّائِب يُمْسِك الْمِخْصَرَة يَسْتَعِين بِهَا . قَالَ مَالِك : وَالرَّجُل إِذَا كَبُرَ لَمْ يَكُنْ مِثْل الشَّبَاب يَقْوَى بِهَا عِنْد قِيَامه . قُلْت : وَفِي مِشْيَته كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : قَدْ كُنْت أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَمِدًا فَصِرْت أَمْشِي عَلَى أُخْرَى مِنْ الْخَشَب قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه وَرَضِيَ عَنْهُ : وَقَدْ كَانَ النَّاس إِذَا جَاءَهُمْ الْمَطَر خَرَجُوا بِالْعِصِيِّ يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْهَا , حَتَّى لَقَدْ كَانَ الشَّبَاب يَحْبِسُونَ عِصِيّهمْ , وَرُبَّمَا أَخَذَ رَبِيعَة الْعَصَا مِنْ بَعْض مَنْ يَجْلِس إِلَيْهِ حَتَّى يَقُوم . وَمِنْ مَنَافِع الْعَصَا ضَرْب الرَّجُل نِسَاءَهُ بِهَا فِيمَا يُصْلِحهُمْ , وَيُصْلِح حَاله وَحَالهمْ مَعَهُ . وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( وَأَمَّا أَبُو جَهْم فَلَا يَضَع عَصَاهُ عَنْ عَاتِقه ) فِي إِحْدَى الرِّوَايَات . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَوْصَاهُ : ( لَا تَرْفَع عَصَاك عَنْ أَهْلك أَخْفِهِمْ فِي اللَّه ) رَوَاهُ عُبَادَة بْن الصَّامِت ; خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنِيّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلِّقْ سَوْطك حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلك ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " النِّسَاء " . وَمِنْ فَوَائِدهَا التَّنْبِيه عَلَى الِانْتِقَال مِنْ هَذِهِ الدَّار ; كَمَا قِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّاد : مَا لَك تَمْشِي عَلَى عَصًا وَلَسْت بِكَبِيرٍ وَلَا مَرِيض ؟ قَالَ إِنِّي أَعْلَم أَنِّي مُسَافِر , وَأَنَّهَا دَار قَلْعَة , وَأَنَّ الْعَصَا مِنْ آلَة السَّفَر ; فَأَخَذَهُ بَعْض الشُّعَرَاء فَقَالَ : حَمَلْت الْعَصَا لَا الضَّعْف أَوْجَبَ حَمْلهَا عَلَيَّ وَلَا أَنِّي تَحَنَّيْت مِنْ كِبَر ش وَلَكِنَّنِي أَلْزَمْت نَفْسِي حَمْلهَا /و لِأُعْلِمهَا أَنَّ الْمُقِيم عَلَى سَفَر