خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الأنبياء تفسير الطبري الآية 37
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ﰤ ﴿٣٧﴾

سورة الأنبياء تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { خُلِقَ الْإِنْسَان } يَعْنِي آدَم { مِنْ عَجَل } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مِنْ عَجَل فِي بِنْيَته وَخِلْقَته ; كَانَ مِنْ الْعَجَلَة , وَعَلَى الْعَجَلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18563 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد فِي قَوْله : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : لَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوح فِي رُكْبَتَيْهِ ذَهَبَ لِيَنْهَض , فَقَالَ اللَّه : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } . 18564 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا نَفَخَ فِيهِ - يَعْنِي فِي آدَم - الرُّوح , فَدَخَلَ فِي رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ ! فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّه لَهُ : رَحِمَك رَبّك ! فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوح فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفه اِشْتَهَى الطَّعَام , فَوَثَبَ قَبْل أَنْ تَبْلُغ الرُّوح رِجْلَيْهِ عَجْلَان إِلَى ثِمَار الْجَنَّة ; فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } يَقُول : خُلِقَ الْإِنْسَان عَجُولًا . 18565 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : خُلِقَ عَجُولًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل , أَيْ مِنْ تَعْجِيل فِي خَلْق اللَّه إِيَّاهُ وَمِنْ سُرْعَة فِيهِ وَعَلَى عَجَل . وَقَالُوا : خَلَقَهُ اللَّه فِي آخِر النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة قَبْل غُرُوب الشَّمْس عَلَى عَجَل فِي خَلْقه إِيَّاهُ قَبْل مَغِيبهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18566 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : قَوْل آدَم حِين خُلِقَ بَعْد كُلّ شَيْء آخِر النَّهَار مِنْ يَوْم خَلَقَ الْخَلْق , فَلَمَّا أَحْيَا الرُّوح عَيْنَيْهِ وَلِسَانه وَرَأْسه وَلَمْ تَبْلُغ أَسْفَله , قَالَ : يَا رَبّ اِسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي قَبْل غُرُوب الشَّمْس . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ آدَم حِين خُلِقَ بَعْد كُلّ شَيْء ; ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , غَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه : اِسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي فَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْس . 18567 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : عَلَى عَجَل آدَم آخِر ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ ذَيْنك الْيَوْمَيْنِ , يُرِيد يَوْم الْجُمُعَة , وَخَلَقَهُ عَلَى عَجَل , وَجَعَلَهُ عَجُولًا . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة مِمَّنْ قَالَ نَحْو هَذِهِ الْمَقَالَة : إِنَّمَا قَالَ : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } وَهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تَعْجِيل مِنْ الْأَمْر , لِأَنَّهُ قَالَ : { إِنَّمَا قَوْلنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون } 16 40 قَالَ : فَهَذَا الْعَجَل . وَقَوْله : { فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } إِنِّي { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } وَعَلَى قَوْل صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة , يَجِب أَنْ يَكُون كُلّ خَلْق اللَّه خُلِقَ عَلَى عَجَل , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ خُلِقَ بِأَنْ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكَانَ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا وَجْه خُصُوص الْإِنْسَان إِذًا بِذِكْرِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ عَجَل دُون الْأَشْيَاء كُلّهَا وَكُلّهَا مَخْلُوق مِنْ عَجَل ؟ وَفِي خُصُوص اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْإِنْسَان بِذَلِكَ الدَّلِيل الْوَاضِح , عَلَى أَنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ غَيْر الَّذِي قَالَهُ صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هَذَا مِنْ الْمَقْلُوب , وَإِنَّمَا خُلِقَ الْعَجَل مِنْ الْإِنْسَان , وَخُلِقَتْ الْعَجَلَة مِنْ الْإِنْسَان . وَقَالُوا : ذَلِكَ مِثْل قَوْله : { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } 28 76 إِنَّمَا هُوَ : لَتَنُوء الْعُصْبَة بِهَا مُتَثَاقِلَة . وَقَالُوا : هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير مَشْهُور . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْم بِمَا يَعْقِلُونَ . قَالُوا : وَذَلِكَ مِثْل قَوْلهمْ : عَرَضْت النَّاقَة , وَكَقَوْلِهِمْ : إِذَا طَلَعَتْ الشِّعْرَى وَاسْتَوَتْ الْعُود عَلَى الْحِرْبَاء ; أَيْ اِسْتَوَتْ الْحِرْبَاء عَلَى الْعُود , كَقَوْلِ الشَّاعِر : وَتَرْكَب خَيْلًا لَا هَوَادَة بَيْنهَا وَتَشْقَى الرِّمَاح بِالضَّيَاطِرة الْحُمْر وَكَقَوْلِ اِبْن مُقْبِل : حَسَرْت كَفِّي عَنْ السِّرْبَال آخُذهُ فَرْدًا يُجَرّ عَلَى أَيْدِي الْمُفَدِّينَا يُرِيد : حَسَرْت السِّرْبَال عَنْ كَفِّي , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَقْلُوب . وَفِي إِجْمَاع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى خِلَاف هَذَا الْقَوْل , الْكِفَايَة الْمُغْنِيَة عَنْ الِاسْتِشْهَاد عَلَى فَسَاده بِغَيْرِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدنَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل فِي خَلْقه ; أَيْ عَلَى عَجَل وَسُرْعَة فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ بُودِرَ بِخَلْقِهِ مَغِيب الشَّمْس فِي آخِر سَاعَة مِنْ نَهَار يَوْم الْجُمُعَة , وَفِي ذَلِكَ الْوَقْت نَفَخَ فِيهِ الرُّوح . وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى : { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّ أَبَا كُرَيْب : 18568 - حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبَى هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ فِي الْجُمُعَة لَسَاعَة " يُقَلِّلهَا , قَالَ : " لَا يُوَافِقهَا عَبْد مُسْلِم يَسْأَل اللَّه فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّه إِيَّاهُ " فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام : قَدْ عَلِمْت أَيّ سَاعَة هِيَ , هِيَ آخِر سَاعَات النَّهَار مِنْ يَوْم الْجُمُعَة . قَالَ اللَّه : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ وَعَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَأَسِير بْن عَمْرو , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو سَلَمَة , عَنْ أَبَى هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ , وَذَكَرَ كَلَام عَبْد اللَّه بْن سَلَام بِنَحْوِهِ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا كَانَ الصَّوَاب فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا قُلْنَا بِمَا بِهِ اِسْتَشْهَدْنَا { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } وَلِذَلِكَ يَسْتَعْجِل رَبّه بِالْعَذَابِ . { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } أَيّهَا الْمُسْتَعْجِلُونَ رَبّهمْ بِالْآيَاتِ الْقَائِلُونَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ شَاعِر , فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ بِآيَاتِي , كَمَا أَرَيْتهَا مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَا بِتَكْذِيبِهَا الرُّسُل , إِذَا أَتَتْهَا الْآيَات : { فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } يَقُول : فَلَا تَسْتَعْجِلُوا رَبّكُمْ , فَإِنَّا سَنَأْتِيكُمْ بِهَا وَنُرِيكُمُوهَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } بِضَمِّ الْخَاء عَلَى مَذْهَب مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَقَرَأَهُ حُمَيْد الْأَعْرَج : " خَلَقَ " بِفَتْحِهَا , بِمَعْنَى : خَلَقَ اللَّه الْإِنْسَان . وَالْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار , هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز خِلَافهَا .