أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ﰦ
﴿٣٩﴾سورة الحج تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَذِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيله بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ظَلَمُوهُمْ بِقِتَالِهِمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : { أُذِنَ } بِضَمِّ الْأَلِف , { يُقَاتَلُونَ } بِفَتْحِ التَّاء بِتَرْكِ تَسْمِيَة الْفَاعِل فِي " أُذِنَ " وَ " يُقَاتَلُونَ " جَمِيعًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ وَعَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة : { أُذِنَ } بِتَرْكِ تَسْمِيَة الْفَاعِل , وَ " يُقَاتِلُونَ " بِكَسْرِ التَّاء , بِمَعْنَى يُقَاتِل الْمَأْذُون لَهُمْ فِي الْقِتَال الْمُشْرِكِينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ : " أَذِنَ " بِفَتْحِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : أَذِنَ اللَّه , وَ " يُقَاتِلُونَ " بِكَسْرِ التَّاء , بِمَعْنَى : إِنَّ الَّذِينَ أَذِنَ اللَّه لَهُمْ بِالْقِتَالِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ , وَهَذِهِ الْقِرَاءَات الثَّلَاث مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا أُذِنَ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله يُرْجِع مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيل إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْه مَا سُمِّيَ فَاعِله . وَإِنَّ مَنْ قَرَأَ " يُقَاتَلُونَ وَيُقَاتِلُونَ " بِالْكَسْرِ أَوْ الْفَتْح , فَقَرِيب مَعْنَى أَحَدهمَا مِنْ مَعْنَى الْآخَر وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ إِنْسَانًا فَالَّذِي قَاتَلَهُ لَهُ مُقَاتِل , وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُقَاتِل , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبِأَيَّةِ هَذِهِ الْقِرَاءَات قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب . غَيْر أَنَّ أَحَبّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأ بِهِ : " أَذِنَ " بِفَتْحِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : أَذِنَ اللَّه , لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } أَذِنَ اللَّه فِي الَّذِينَ لَا يُحِبّهُمْ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ بِقِتَالِهِمْ , فَيُرَدّ " أَذِنَ " عَلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ } , وَكَذَلِكَ أَحَبّ الْقِرَاءَات إِلَيَّ فِي " يُقَاتِلُونَ " كَسْر التَّاء , بِمَعْنَى : الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ مَنْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُحِبّهُمْ , فَيَكُون الْكَلَام مُتَّصِلًا مَعْنًى بَعْضه بِبَعْضٍ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِالْإِذْنِ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَة فِي الْقِتَال , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ : نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19096 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَأَنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } يَعْنِي مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه إِذَا أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة ; يَقُول اللَّه : { فَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } وَقَدْ فَعَلَ . 19097 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم البطين , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , قَالَ رَجُل : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ ! فَنَزَلَتْ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } ... الْآيَة , { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه . 19098 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن دَاوُد الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن يُوسُف , عَنْ سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة قَالَ أَبُو بَكْر : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ , إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , لَيُهْلَكُنَّ ! قَالَ ابْن عَبَّاس : فَأَنْزَلَ اللَّه : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } قَالَ أَبُو بَكْر : فَعَرَفْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال , وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ . قَالَ ابْن دَاوُد : قَالَ ابْن إِسْحَاق : كَانُوا يَقْرَءُونَ : { أُذِنَ } وَنَحْنُ نَقْرَأ : " أَذِنَ " . 19099 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , عَنْ سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْر : قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَكُون قِتَال . وَإِلَى هَذَا الْمَوْضِع انْتَهَى حَدِيثه , وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , قَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , أُخْرِجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّه لَيُهْلَكُنَّ جَمِيعًا ! فَلَمَّا نَزَلَتْ : { أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } ... إِلَى قَوْله : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } عَرَفَ أَبُو بَكْر أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال . 19100 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالهمْ بَعْدَمَا عَفَا عَنْهُمْ عَشْر سِنِينَ . وَقَرَأَ : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } وَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ . 19101 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْم بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ دَار الْحَرْب يُرِيدُونَ الْهِجْرَة , فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19102 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : أُنَاس مُؤْمِنُونَ خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , فَكَانُوا يُمْنَعُونَ , فَأَذِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّار , فَقَاتَلُوهُمْ . 19103 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : نَاس مِنَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانُوا يُمْنَعُونَ , فَأَدْرَكَهُمْ الْكُفَّار , فَأُذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّار فَقَاتَلُوهُمْ . قَالَ ابْن جُرَيْج : يَقُول : أَوَّل قِتَال أَذِنَ اللَّه بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ . 19104 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : فِي حَرْف ابْن مَسْعُود : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ فِي سَبِيل اللَّه " قَالَ قَتَادَة : وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ فِي الْقِتَال , فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا . 19105 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : هِيَ أَوَّل آيَة أُنْزِلَتْ فِي الْقِتَال , فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا . وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَزْعُم أَنَّ اللَّه إِنَّمَا قَالَ : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِالْقِتَالِ مِنْ أَجْل أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانُوا اسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْل الْكُفَّار إِذَا آذَوْهُمْ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة غِيلَة سِرًّا ; فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة , أَطْلَقَ لَهُمْ قَتْلهمْ وَقِتَالهمْ , فَقَالَ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } . وَهَذَا قَوْل ذُكِرَ عَنِ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم مِنْ وَجْه غَيْر ثَبْت .
وَقَوْله : { وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْر الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه لَقَادِر , وَقَدْ نَصَرَهُمْ فَأَعَزَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَأَهْلَكَ عَدُوّهُمْ وَأَذَلَّهُمْ بِأَيْدِيهِمْ.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليُهلكنَّ. فأنزل الله: "أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير"، فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال.
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله