وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ﰲ
﴿٥١﴾سورة الحج تفسير الطبري
وَقَوْله : { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتنَا مُعَاجِزِينَ } يَقُول : وَالَّذِينَ عَمِلُوا فِي حُجَجنَا فَصَدُّوا عَنِ اتِّبَاع رَسُولنَا وَالْإِقْرَار بِكِتَابِنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ. وَقَالَ { فِي آيَاتنَا } فَأُدْخِلَتْ فِيهِ " فِي " كَمَا يُقَال : سَعَى فُلَان فِي أَمْر فُلَان . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مُعَاجِزِينَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مُشَاقِّينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19152 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ عُثْمَان بْن عَطَاء , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , أَنَّهُ قَرَأَهَا : { مُعَاجِزِينَ } فِي كُلّ الْقُرْآن , يَعْنِي بِأَلِفٍ , وَقَالَ : مُشَاقِّينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ اللَّه فَلَا يَقْدِر عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19153 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فِي آيَاتنَا مُعَاجِزِينَ } قَالَ : كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه فَظَنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ اللَّه , وَلَنْ يُعْجِزُوهُ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { فِي آيَاتنَا مُعَاجِزِينَ } بِالْأَلِفِ , وَهِيَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة . وَأَمَّا بَعْض قُرَّاء أَهْل مَكَّة وَالْبَصْرَة فَإِنَّهُ قَرَأَهُ : " مُعَجِّزِينَ " بِتَشْدِيدِ الْجِيم , بِغَيْرِ أَلِف , بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَجَّزُوا النَّاس وَثَبَّطُوهُمْ عَنِ اتِّبَاع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِيمَان بِالْقُرْآنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَته : 19154 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مُعَجِّزِينَ } قَالَ : مُبَطِّئِينَ , يُبَطِّئُونَ النَّاس عَنِ اتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنَ الْقُرَّاء , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَجَّزَ عَنْ آيَات اللَّه فَقَدْ عَاجَزَ اللَّه , وَمِنْ مُعَاجَزَة اللَّه التَّعْجِيز عَنْ آيَات اللَّه وَالْعَمَل بِمَعَاصِيهِ وَخِلَاف أَمْره . وَكَانَ مِنْ صِفَة الْقَوْم الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَات فِيهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَطِّئُونَ النَّاس عَنِ الْإِيمَان بِاللَّهِ وَاتِّبَاع رَسُوله وَيُغَالِبُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَهُ وَيَغْلِبُونَهُ , وَقَدْ ضَمِنَ اللَّه لَهُ نَصْره عَلَيْهِمْ , فَكَانَ ذَلِكَ مُعَاجَزَتهمْ اللَّه , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا الْمُعَاجَزَة فَإِنَّهَا الْمُفَاعَلَة مِنَ الْعَجْز , وَمَعْنَاهُ : مُغَالَبَة اثْنَيْنِ أَحَدهمَا صَاحِبه أَيّهمَا يُعْجِزهُ فَيَغْلِبهُ الْآخَر وَيَقْهَرهُ . وَأَمَّا التَّعْجِيز : فَإِنَّهُ التَّضْعِيف وَهُوَ التَّفْعِيل مِنَ الْعَجْز.
وَقَوْله : { أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم } يَقُول : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ هُمْ سُكَّان جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا .