لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ﰌ
﴿١٣﴾سورة النور تفسير القرطبي
هَذَا تَوْبِيخ لِأَهْلِ الْإِفْك . وَ " لَوْلَا " بِمَعْنَى هَلَّا ; أَيْ هَلَّا جَاءُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء عَلَى مَا زَعَمُوا مِنْ الِافْتِرَاء . وَهَذَا رَدّ عَلَى الْحُكْم الْأَوَّل وَإِحَالَة عَلَى الْآيَة السَّابِقَة فِي آيَة الْقَذْف .
أَيْ هُمْ فِي حُكْم اللَّه كَاذِبُونَ . وَقَدْ يَعْجِز الرَّجُل عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة وَهُوَ صَادِق فِي قَذْفه , وَلَكِنَّهُ فِي حُكْم الشَّرْع وَظَاهِر الْأَمْر كَاذِب لَا فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى ; وَهُوَ سُبْحَانه إِنَّمَا رَتَّبَ الْحُدُود عَلَى حُكْمه الَّذِي شَرَعَهُ فِي الدُّنْيَا لَا عَلَى مُقْتَضَى عِلْمه الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْإِنْسَانِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ , فَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ حُكْم الْآخِرَة .
قُلْت : وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى وَيُعَضِّدهُ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخِطَاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيّهَا النَّاس إِنَّ الْوَحْي قَدْ اِنْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذكُمْ الْآن بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالكُمْ , فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ ; وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَته شَيْء اللَّه يُحَاسِبهُ فِي سَرِيرَته , وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نُؤَمِّنهُ وَلَمْ نُصَدِّقهُ , وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَته حَسَنَة . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر , وَأَنَّ السَّرَائِر إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .