خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الفرقان تفسير القرطبي الآية 75
أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ﱊ ﴿٧٥﴾

سورة الفرقان تفسير القرطبي

" أُولَئِكَ " خَبَر " وَعِبَاد الرَّحْمَن " فِي قَوْل الزَّجَّاج عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ . وَمَا تَخَلَّلَ بَيْن الْمُبْتَدَإِ وَخَبَره أَوْصَافهمْ مِنْ التَّحَلِّي وَالتَّخَلِّي ; وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَة : التَّوَاضُع , وَالْحِلْم , وَالتَّهَجُّد , وَالْخَوْف , وَتَرْك الْإِسْرَاف وَالْإِقْتَار , وَالنَّزَاهَة عَنْ الشِّرْك , وَالزِّنَى وَالْقَتْل , وَالتَّوْبَة وَتَجَنُّب الْكَذِب , وَالْعَفْو عَنْ الْمُسِيء , وَقَبُول الْمَوَاعِظ , وَالِابْتِهَال إِلَى اللَّه . وَ " الْغُرْفَة " الدَّرَجَة الرَّفِيعَة وَهِيَ أَعْلَى مَنَازِل الْجَنَّة وَأَفْضَلهَا كَمَا أَنَّ الْغُرْفَة أَعْلَى مَسَاكِن الدُّنْيَا . حَكَاهُ اِبْن شَجَرَة . وَقَالَ الضَّحَّاك : الْغُرْفَة الْجَنَّة . " بِمَا صَبَرُوا " أَيْ بِصَبْرِهِمْ عَلَى أَمْر رَبّهمْ : وَطَاعَة نَبِيّهمْ عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلَاة وَالسَّلَام . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : " بِمَا صَبَرُوا " عَلَى الْفَقْر وَالْفَاقَة فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : " بِمَا صَبَرُوا " عَنْ الشَّهَوَات .



قَرَأَ أَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل وَالْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف : " وَيَلْقَوْنَ " مُخَفَّفَة , وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاء ; قَالَ لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : فُلَان يَتَلَقَّى بِالسَّلَامِ وَبِالتَّحِيَّةِ وَبِالْخَيْرِ بِالتَّاءِ , وَقَلَّمَا يَقُولُونَ فُلَان يَلْقَى السَّلَامَة . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ : " وَيُلَقَّوْنَ " وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَّاهُمْ نَضْرَة وَسُرُورًا " [ الْإِنْسَان : 11 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفَرَّاء وَاخْتَارَهُ غَلَط ; لِأَنَّهُ يَزْعُم أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ " يُلَقَّوْنَ " كَانَتْ فِي الْعَرَبِيَّة بِتَحِيَّةٍ وَسَلَام , وَقَالَ كَمَا يُقَال : فُلَان يَتَلَقَّى بِالسَّلَامِ وَبِالْخَيْرِ ; فَمِنْ عَجِيب مَا فِي هَذَا الْبَاب أَنَّهُ قَالَ يَتَلَقَّى وَالْآيَة " يُلَقَّوْنَ " وَالْفَرْق بَيْنهمَا بَيْن : لِأَنَّهُ يُقَال فُلَان يَتَلَقَّى بِالْخَيْرِ وَلَا يَجُوز حَذْف الْبَاء , فَكَيْفَ يُشْبِه هَذَا ذَاكَ ! وَأَعْجَب مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْقُرْآن " وَلَقَّاهُمْ نَضْرَة وَسُرُورًا " وَلَا يَجُوز أَنْ يُقْرَأ بِغَيْرِهِ . وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ الْأُولَى عَلَى خِلَاف مَا قَالَ . وَالتَّحِيَّة مِنْ اللَّه وَالسَّلَام مِنْ الْمَلَائِكَة . وَقِيلَ : التَّحِيَّة الْبَقَاء الدَّائِم وَالْمُلْك الْعَظِيم ; وَالْأَظْهَر أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَأَنَّهُمَا مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " تَحِيَّتهمْ يَوْم يَلْقَوْنَهُ سَلَام " [ الْأَحْزَاب : 44 ] وَسَيَأْتِي .