إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ﰃ
﴿٤﴾سورة الشعراء تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ نَشَأْ نُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ } الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَظَلَّ الْقَوْم الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة خَاضِعَة أَعْنَاقهمْ لَهَا مِنْ الذِّلَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20190 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ } قَالَ : فَظَلُّوا خَاضِعَة أَعْنَاقهمْ لَهَا . 20191 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { خَاضِعِينَ } قَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّه لَنَزَّلَ عَلَيْهِ آيَة يَذِلُّونَ بِهَا , فَلَا يَلْوِي أَحَد عُنُقه إِلَى مَعْصِيَة اللَّه. 20192 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة } قَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّه لَأَرَاهُمْ أَمْرًا مِنْ أَمْره لَا يَعْمَل أَحَد مِنْهُمْ بَعْده بِمَعْصِيَةٍ . 20193 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ } قَالَ : مُلْقِينَ أَعْنَاقهمْ . 20194 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ } قَالَ : الْخَاضِع : الذَّلِيل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَظَلَّتْ سَادَتهمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ لِلْآيَةِ خَاضِعِينَ , وَيَقُول : الْأَعْنَاق : هُمْ الْكُبَرَاء مِنْ النَّاس . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه تَذْكِير خَاضِعِينَ , وَهُوَ خَبَر عَنْ الْأَعْنَاق , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : يَزْعُمُونَ أَنَّ قَوْله { أَعْنَاقهمْ } عَلَى الْجَمَاعَات , نَحْو : هَذَا عُنُق مِنْ النَّاس كَثِير , أَوْ ذُكِّرَ كَمَا يُذَكَّر بَعْض الْمُؤَنَّث , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَمَزَّزْتهَا وَالدِّيك يَدْعُو صَبَاحه إِذَا مَا بَنُو نَعْش دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا فَجَمَاعَات هَذَا أَعْنَاق , أَوْ يَكُون ذَكَّرَهُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُذَكَّر كَمَا يُؤَنَّث لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَنَشْرَق بِالْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْته كَمَا شَرِقَتْ صَدْر الْقَنَاة مِنْ الدَّم وَقَالَ الْعَجَّاج : لَمَّا رَأَى رَأَى مَتْن السَّمَاء أَبْعَدَتْ وَقَالَ الْفَرَزْدَق : إِذَا الْقُنْبُضَات السُّود طَوَّفْنَ بِالضُّحَى رَقَدْنَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَال الْمُسَجَّف وَقَالَ الْأَعْشَى : وَإِنَّ أَمْرَأً أَهْدَى إِلَيْك وَدُونه مِنْ الْأَرْض يَهْمَاء وَبَيْدَاء خَيْفَق لَمَحْقُوقَة أَنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وَأَنْ تَعْلَمِي أَنَّ الْمُعَان الْمُوَفَّق قَالَ : وَيَقُولُونَ : بَنَات نَعْش وَبَنُو نَعْش , وَيُقَال : بَنَات عُرْس , وَبَنُو عُرْس ; وَقَالَتْ اِمْرَأَة : أَنَا اِمْرُؤٌ لَا أُخْبِر السِّرّ , قَالَ : وَذُكِرَ لِرُؤْبَة رَجُلٌ فَقَالَ : هُوَ كَانَ أَحَد بَنَات مَسَاجِد اللَّه , يَعْنِي الْحَصَى . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْل الشَّاعِر : تَرَى أَرْمَاحهمْ مُتَقَلِّدِيهَا إِذَا صَدِئ الْحَدِيد عَلَى الْكُمَاة فَمَعْنَاهُ عِنْده : فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ خَاضِعِيهَا هُمْ , كَمَا يُقَال : يَدك بَاسِطهَا , بِمَعْنَى : يَدك بَاسِطهَا أَنْتَ , فَاكْتَفَى بِمَا اِبْتَدَأَ بِهِ مِنْ الِاسْم أَنْ يَكُون , فَصَارَ الْفِعْل كَأَنَّهُ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ لِلثَّانِي , وَكَذَلِكَ قَوْله : لَمَحْقُوقَة أَنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ إِنَّمَا هُوَ لَمَحْقُوقَة أَنْتِ , وَالْمَحْقُوقَة : النَّاقَة , إِلَّا أَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمَرْء لَمَّا عَادَ بِالذِّكْرِ . وَكَانَ آخَر مِنْهُمْ يَقُول : الْأَعْنَاق : الطَّوَائِف , كَمَا يُقَال : رَأَيْت النَّاس إِلَى فُلَان عُنُقًا وَاحِدَة , فَيَجْعَل الْأَعْنَاق الطَّوَائِف وَالْعَصَب ; وَيَقُول : يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ تَكُون الْأَعْنَاق هُمْ السَّادَة وَالرِّجَال الْكُبَرَاء , فَيَكُون كَأَنَّهُ قِيلَ. فَظَلَّتْ رُءُوس الْقَوْم وَكُبَرَاؤُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ , وَقَالَ : أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ يُقَال : إِنَّ الْأَعْنَاق إِذَا خَضَعَتْ فَأَرْبَابهَا خَاضِعُونَ , فَجَعَلْت الْفِعْل أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ , ثُمَّ جَعَلْت خَاضِعِينَ لِلرِّجَالِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَلَى قَبْضَة مَرْجُوَّة ظَهْر كَفّه فَلَا الْمَرْء مُسْتَحْيٍ وَلَا هُوَ طَاعِم فَأَنَّثَ فِعْل الظَّهْر , لِأَنَّ الْكَفّ تَجْمَع الظَّهْر , وَتَكْفِي مِنْهُ , كَمَا أَنَّك تَكْتَفِي بِأَنْ تَقُول : خَضَعْت لَك , مِنْ أَنْ تَقُول : خَضَعَتْ لَك رَقَبَتِي , وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَب تَقُول : كُلّ ذِي عَيْن نَاظِر وَنَاظِرَة إِلَيْك , لِأَنَّ قَوْلك : نَظَرَتْ إِلَيْك عَيْنِي , وَنَظَرْت إِلَيْك بِمَعْنًى وَاحِد بِتَرْكِ كُلّ , وَلَهُ الْفِعْل وَبِرَدِّهِ إِلَى الْعَيْن , فَلَوْ قُلْت : فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعَة , كَانَ صَوَابًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَههَا بِمَا قَالَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُون الْأَعْنَاق هِيَ أَعْنَاق الرِّجَال , وَأَنْ يَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ ذَلِيلَة , لِلْآيَةِ الَّتِي يُنَزِّلهَا اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء , وَأَنْ يَكُون قَوْله " خَاضِعِينَ " مُذَكَّرًا , لِأَنَّهُ خَبَر عَنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي الْأَعْنَاق , فَيَكُون ذَلِكَ نَظِير قَوْل جَرِير : أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السِّرَار مِنْ الْهِلَال وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : مَرَّ , لَوْ أُسْقِطَ مِنْ الْكَلَام , لَأَدَّى مَا بَقِيَ مِنْ الْكَلَام عَنْهُ وَلَمْ يُفْسِد سُقُوطه مَعْنَى الْكَلَام عَمَّا كَانَ بِهِ قَبْل سُقُوطه , وَكَذَلِكَ لَوْ أُسْقِطَتْ الْأَعْنَاق مِنْ قَوْله : فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ , لَأَدَّى مَا بَقِيَ مِنْ الْكَلَام عَنْهَا , وَذَلِكَ أَنَّ الرِّجَال إِذَا ذَلُّوا , فَقَدْ ذَلَّتْ رِقَابهمْ , وَإِذَا ذَلَّتْ رِقَابهمْ فَقَدْ ذَلُّوا . فَإِنْ قِيلَ فِي الْكَلَام : فَظَلُّوا لَهَا خَاضِعِينَ , كَانَ الْكَلَام غَيْر فَاسِد , لِسُقُوطِ الْأَعْنَاق , وَلَا مُتَغَيِّر مَعْنَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل سُقُوطهَا , فَصُرِفَ الْخَبَر بِالْخُضُوعِ إِلَى أَصْحَاب الْأَعْنَاق , وَإِنْ كَانَ قَدْ اِبْتَدَأَ بِذِكْرِ الْأَعْنَاق لِمَا قَدْ جَرَى بِهِ اِسْتِعْمَال الْعَرَب فِي كَلَامهمْ , إِذَا كَانَ الِاسْم الْمُبْتَدَأ بِهِ , وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يُؤَدِّي الْخَبَر كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ الْآخَر .