خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة النمل تفسير الطبري الآية 35
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ﰢ ﴿٣٥﴾

سورة النمل تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } ذُكِرَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنِّي مُرْسِلَة إِلَى سُلَيْمَان , لِتَخْتَبِرهُ بِذَلِكَ وَتَعْرِفهُ بِهِ , أَمَلِك هُوَ , أَمْ نَبِيّ ؟ وَقَالَتْ : إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا لَمْ يَقْبَل الْهَدِيَّة , وَلَمْ يَرْضَهُ مِنَّا , إِلَّا أَنْ نَتَّبِعهُ عَلَى دِينه , وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا قَبِلَ الْهَدِيَّة وَانْصَرَفَ . ذِكْر الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : 20507 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَتْ : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَة بِمَ يَرْجِع الْمُرْسَلُونَ } قَالَ : وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِوَصَائِف وَوُصَفَاء , وَأَلْبَسَتْهُمْ لِبَاسًا وَاحِدًا حَتَّى لَا يُعْرَف ذَكَر مِنْ أُنْثَى , فَقَالَتْ : إِنْ زَيَّلَ بَيْنهمْ حَتَّى يَعْرِف الذَّكَر مِنْ الْأُنْثَى , ثُمَّ رَدَّ الْهَدِيَّة فَإِنَّهُ نَبِيّ , وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُك مُلْكنَا , وَنَتَّبِع دِينه , وَنَلْحَق بِهِ . 20508 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } قَالَ : بِجَوَارٍ لِبَاسهمْ لِبَاس الْغِلْمَان , وَغِلْمَان لِبَاسهمْ لِبَاس الْجَوَارِي . 20509 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَوْلهَا : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } قَالَ : مِائَتَيْ غُلَام وَمِائَتَيْ جَارِيَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : قَوْله : { بِهَدِيَّةٍ } قَالَ : جَوَارٍ أَلْبَسَتْهُنَّ لِبَاس الْغِلْمَان , وَغِلْمَان أَلْبَسَتْهُمْ لِبَاس الْجَوَارِي . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ [ مُجَاهِد ] : قَالَتْ : فَإِنْ خَلَّصَ الْجَوَارِي مِنْ الْغِلْمَان , وَرَدَّ الْهَدِيَّة فَإِنَّهُ نَبِيّ , وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّبِعهُ . قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : فَخَلَّصَ سُلَيْمَان بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , وَلَمْ يَقْبَل هَدِيَّتهَا . 20510 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : أَهْدَتْ لَهُ صَفَائِح الذَّهَب فِي أَوْعِيَة الدِّيبَاج ; فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ سُلَيْمَان أَمَرَ الْجِنّ فَمَوَّهُوا لَهُ الْآجُرّ بِالذَّهَبِ , ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الطُّرُق ; فَلَمَّا جَاءُوا فَرَأَوْهُ مُلْقًى مَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , صَغُرَ فِي أَعْيُنهمْ مَا جَاءُوا بِهِ . 20511 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ الْمُلُوك إِذَا دَخَلُوا قَرْيَة أَفْسَدُوهَا } الْآيَة , وَقَالَتْ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل إِنْ كَانَ إِنَّمَا هِمَّته الدُّنْيَا فَسَنُرْضِيهِ , وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيد الدِّين فَلَنْ يَقْبَل غَيْره { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَة بِمَ يَرْجِع الْمُرْسَلُونَ } . 20512 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : كَانَتْ بِلْقِيس اِمْرَأَة لَبِيبَة أَدِيبَة فِي بَيْت مُلْك , لَمْ تَمْلِك إِلَّا لِبَقَايَا مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلهَا , إِنَّهُ قَدْ سَيِسَتْ وَسَاسَتْ حَتَّى أَحْكَمَهَا ذَلِكَ , وَكَانَ دِينهَا وَدِين قَوْمهَا فِيمَا ذُكِرَ الزِّنْدِيقِيَّة ; فَلَمَّا قَرَأَتْ الْكِتَاب سَمِعَتْ كِتَابًا لَيْسَ مِنْ كُتُب الْمُلُوك الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا , فَبَعَثَتْ إِلَى الْمَقَاوِلَة مِنْ أَهْل الْيَمَن , فَقَالَتْ لَهُمْ : { يَا أَيّهَا الْمَلَأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَاب كَرِيم , إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَان وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } إِلَى قَوْله { بِمَ يَرْجِع الْمُرْسَلُونَ } ثُمَّ قَالَتْ : إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَاب لَمْ يَأْتِنِي مِثْله مِنْ مَلِك مِنْ الْمُلُوك قَبْله , فَإِنْ يَكُنْ الرَّجُل نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَا طَاقَة لَنَا بِهِ وَلَا قُوَّة , وَإِنْ يَكُنْ الرَّجُل مَلِكًا يُكَاثِر , فَلَيْسَ بِأَعَزّ مِنَّا , وَلَا أَعَدّ . فَهَيَّأَتْ هَدَايَا مِمَّا يُهْدَى لِلْمُلُوكِ , مِمَّا يُفْتَنُونَ بِهِ , فَقَالَتْ : إِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَسَيَقْبَلُ الْهَدِيَّة وَيَرْغَب فِي الْمَال , وَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَلَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا حَاجَة , وَلَيْسَ إِيَّاهَا يُرِيد , إِنَّمَا يُرِيد أَنْ نَدْخُل مَعَهُ فِي دِينه وَنَتَّبِعهُ عَلَى أَمْره , أَوْ كَمَا قَالَتْ . 20513 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } بَعَثَتْ بِوَصَائِف وَوُصَفَاء , لِبَاسهمْ لِبَاس وَاحِد , فَقَالَتْ : إِنْ زَيَّلَ بَيْنهمْ حَتَّى يَعْرِف الذَّكَر مِنْ الْأُنْثَى , ثُمَّ رَدَّ الْهَدِيَّة فَهُوَ نَبِيّ , وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّبِعهُ , وَنَدْخُل فِي دِينه ; فَزَيَّلَ سُلَيْمَان بَيْن الْغِلْمَان وَالْجَوَارِي , وَرَدَّ الْهَدِيَّة , فَقَالَ { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّه خَيْر مِمَّا آتَاكُمْ } . 20514 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ فِي الْهَدَايَا الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا وَصَائِف وَوُصَفَاء يَخْتَلِفُونَ فِي ثِيَابهمْ , لِتَمْيِيزِ الْغِلْمَان مِنْ الْجَوَارِي , قَالَ : فَدَعَا بِمَاءٍ , فَجَعَلَ الْجَوَارِي يَتَوَضَّأْنَ مِنْ الْمِرْفَق إِلَى أَسْفَل , وَجَعَلَ الْغِلْمَان يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْمِرْفَق إِلَى فَوْق . قَالَ : وَكَانَ أَبِي يُحَدِّثنَا هَذَا الْحَدِيث. 20515 - حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } قَالَ : أَرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَب , وَقَالَتْ : إِنْ كَانَ يُرِيد الدُّنْيَا عَلِمْته , وَإِنْ كَانَ يُرِيد الْآخِرَة عَلِمْته .



وَقَوْله : { فَنَاظِرَة بِمَ يَرْجِع الْمُرْسَلُونَ } تَقُول : فَأَنْظُر بِأَيِّ شَيْء مِنْ خَبَره وَفِعْله فِي هَدِيَّتِي الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ تَرْجِع رُسُلِي , أَبِقَبُولٍ وَانْصِرَاف عَنَّا , أَمْ بِرَدِّ الْهَدِيَّة وَالثَّبَات عَلَى مُطَالَبَتنَا بِاتِّبَاعِهِ عَلَى دِينه ؟ وَأُسْقِطَتْ الْأَلِف مِنْ " مَا " فِي قَوْله { بِمَ } وَأَصْله : بِمَا , لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا كَانَتْ " مَا " بِمَعْنَى : أَيّ , ثُمَّ وَصَلُوهَا بِحَرْفٍ خَافِض أَسْقَطُوا أَلِفهَا تَفْرِيقًا بَيْن الِاسْتِفْهَام وَغَيْره , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ } 78 1 و { قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ } 4 97 , وَرُبَّمَا أَثْبَتُوا فِيهَا الْأَلِف , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَلَامَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئِيم كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي تُرَاب وَقَالَتْ : { وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِمْ } وَإِنَّمَا أَرْسَلَتْ إِلَى سُلَيْمَان وَحْده عَلَى النَّحْو الَّذِي بَيَّنَّا فِي قَوْله : { عَلَى خَوْف مِنْ فِرْعَوْن وَمَلَئِهِمْ } 10 83