خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة النمل تفسير القرطبي الآية 40
قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ﰧ ﴿٤٠﴾

سورة النمل تفسير القرطبي

عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدّ إِلَيْك طَرْفك " أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب آصَف بْن برخيا وَهُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ صِدِّيقًا يَحْفَظ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى , وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ . وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم الَّذِي دَعَا بِهِ آصَف بْن برخيا يَا حَيّ يَا قَيُّوم ) قِيلَ : وَهُوَ بِلِسَانِهِمْ , أهيا شراهيا ; وَقَالَ الزُّهْرِيّ : دُعَاء الَّذِي عِنْده اِسْم اللَّه الْأَعْظَم ; يَا إِلَهنَا وَإِلَه كُلّ شَيْء إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ اِيتِنِي بِعَرْشِهَا ; فَمَثَلَ بَيْن يَدَيْهِ . وَقَالَ مُجَاهِد : دَعَا فَقَالَ : يَا إِلَهنَا وَإِلَه كُلّ شَيْء يَا ذَا الْجَلَال وَالْإِكْرَام . قَالَ السُّهَيْلِيّ : الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب هُوَ آصَف بْن برخيا اِبْن خَالَة سُلَيْمَان , وَكَانَ عِنْده اِسْم اللَّه الْأَعْظَم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : هُوَ سُلَيْمَان نَفْسه ; وَلَا يَصِحّ فِي سِيَاق الْكَلَام مِثْل هَذَا التَّأْوِيل . قَالَ اِبْن عَطِيَّة وَقَالَتْ فِرْقَة هُوَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام , وَالْمُخَاطَبَة فِي هَذَا التَّأْوِيل لِلْعِفْرِيتِ لَمَّا قَالَ : " أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ تَقُوم مِنْ مَقَامك " كَأَنَّ سُلَيْمَان اِسْتَبْطَأَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَلَى جِهَة تَحْقِيره : " أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدّ إِلَيْك طَرْفك " وَاسْتَدَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِقَوْلِ سُلَيْمَان : " هَذَا مِنْ فَضْل رَبِّي " .



قُلْت : مَا ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة قَالَهُ النَّحَّاس فِي مَعَانِي الْقُرْآن لَهُ , وَهُوَ قَوْل حَسَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ بَحْر : هُوَ مَلَك بِيَدِهِ كِتَاب الْمَقَادِير , أَرْسَلَهُ اللَّه عِنْد قَوْل الْعِفْرِيت . قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمُقْرِئ أَنَّهُ ضَبَّة بْن أُدّ ; وَهَذَا لَا يَصِحّ الْبَتَّة لِأَنَّ ضَبَّة هُوَ اِبْن أُدّ بْن طَابِخَة , وَاسْمه عَمْرو بْن إِلْيَاس بْن مُضَر بْن نِزَار بْن مَعْدٍ : وَمَعْد كَانَ فِي مُدَّة بُخْتُنَصَّر , وَذَلِكَ بَعْد عَهْد سُلَيْمَان بِدَهْرٍ طَوِيل ; فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْد فِي عَهْد سُلَيْمَان , فَكَيْف ضَبَّة بْن أُدّ وَهُوَ بَعْده بِخَمْسَةِ آبَاء ؟ ! وَهَذَا بَيِّن لِمَنْ تَأَمَّلَهُ . اِبْن لَهِيعَة : هُوَ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ اِبْن زَيْد : الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب رَجُل صَالِح كَانَ فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِز الْبَحْر , خَرَجَ ذَلِكَ الْيَوْم يَنْظُر مَنْ سَاكِن الْأَرْض ; وَهَلْ يُعْبَد اللَّه أَمْ لَا ؟ فَوَجَدَ سُلَيْمَان , فَدَعَا بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى فَجِيءَ بِالْعَرْشِ . وَقَوْل سَابِع : أَنَّهُ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل اِسْمه يمليخا كَانَ يَعْلَم اِسْم اللَّه الْأَعْظَم ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ اِبْن أَبِي بَزَّة : الرَّجُل الَّذِي كَانَ عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب اِسْمه أسطوم وَكَانَ عَابِدًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر : إِنَّمَا هُوَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ; أَمَّا إِنَّ النَّاس يَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ اِسْم وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; إِنَّمَا كَانَ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَالِم آتَاهُ اللَّه عِلْمًا وَفِقْهًا قَالَ : " أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدّ إِلَيْك طَرْفك " قَالَ : هَاتِ . قَالَ : أَنْتَ نَبِيّ اللَّه اِبْن نَبِيّ اللَّه فَإِنْ دَعَوْت اللَّه جَاءَك بِهِ , فَدَعَا اللَّه سُلَيْمَان فَجَاءَهُ اللَّه بِالْعَرْشِ . وَقَوْل ثَامِن : إِنَّهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ النَّخَعِيّ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعِلْم الْكِتَاب عَلَى هَذَا عِلْمه بِكُتُبِ اللَّه الْمُنَزَّلَة , أَوْ بِمَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقِيلَ : عِلْم كِتَاب سُلَيْمَان إِلَى بِلْقِيس . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ النَّاس أَنَّهُ رَجُل صَالِح مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل اِسْمه آصَف بْن برخيا ; رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ لِسُلَيْمَانَ : يَا نَبِيّ اللَّه اُمْدُدْ بَصَرك فَمَدَّ بَصَره نَحْو الْيَمَن فَإِذَا بِالْعَرْشِ , فَمَا رَدَّ سُلَيْمَان بَصَره إِلَّا وَهُوَ عِنْده . قَالَ مُجَاهِد : هُوَ إِدَامَة النَّظَر حَتَّى يَرْتَدّ طَرْفه خَاسِئًا حَسِيرًا . وَقِيلَ : أَرَادَ مِقْدَار مَا يَفْتَح عَيْنه ثُمَّ يَطْرِف , وَهُوَ كَمَا تَقُول : اِفْعَلْ كَذَا فِي لَحْظَة عَيْن ; وَهَذَا أَشْبَه ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْفِعْل مِنْ سُلَيْمَان فَهُوَ مُعْجِزَة , وَإِنْ كَانَ مِنْ آصَف أَوْ مِنْ غَيْره مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه فَهِيَ كَرَامَة , وَكَرَامَة الْوَلِيّ مُعْجِزَة النَّبِيّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ أَنْكَرَ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء مَنْ قَالَ إِنَّ الَّذِي عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب هُوَ سُلَيْمَان , قَالَ لِلْعِفْرِيتِ : " أَنَا آتِيك بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدّ إِلَيْك طَرْفك " . وَعِنْد هَؤُلَاءِ مَا فَعَلَ الْعِفْرِيت فَلَيْسَ مِنْ الْمُعْجِزَات وَلَا مِنْ الْكَرَامَات , فَإِنَّ الْجِنّ يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْل هَذَا . وَلَا يَقْطَع جَوْهَر فِي حَال وَاحِدَة مَكَانَيْنِ , بَلْ يُتَصَوَّر ذَلِكَ بِأَنْ يُعْدِم اللَّه الْجَوْهَر فِي أَقْصَى الشَّرْق ثُمَّ يُعِيدهُ فِي الْحَالَة الثَّانِيَة , وَهِيَ الْحَالَة الَّتِي بَعْد الْعَدَم فِي أَقْصَى الْغَرْب . أَوْ يُعْدِم الْأَمَاكِن الْمُتَوَسِّطَة ثُمَّ يُعِيدهَا . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَرَوَاهُ وَهْب عَنْ مَالِك . وَقَدْ قِيلَ : بَلْ جِيءَ بِهِ فِي الْهَوَاء ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَكَانَ بَيْن سُلَيْمَان وَالْعَرْش كَمَا بَيْن الْكُوفَة وَالْحِيرَة . وَقَالَ مَالِك : كَانَتْ بِالْيَمَنِ وَسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام بِالشَّامِ . وَفِي التَّفَاسِير اِنْخَرَقَ بِعَرْشِ بِلْقِيس مَكَانه الَّذِي هُوَ فِيهِ ثُمَّ نَبَعَ بَيْن يَدَيْ سُلَيْمَان ; قَالَ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد : وَظَهَرَ الْعَرْش مِنْ نَفَق تَحْت الْأَرْض ; فَاَللَّه أَعْلَم أَيْ ذَلِكَ كَانَ .



عِنْده " أَيْ ثَابِتًا عِنْده .



مِنْ فَضْل رَبِّي " أَيْ هَذَا النَّصْر وَالتَّمْكِين مِنْ فَضْل رَبِّي .



لِيَبْلُوَنِي " قَالَ الْأَخْفَش : الْمَعْنَى لِيَنْظُر



وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى " لِيَبْلُوَنِي " لِيَتَعَبَّدنِي ; وَهُوَ مَجَاز . وَالْأَصْل فِي الِابْتِلَاء الِاخْتِبَار أَيْ لِيَخْتَبِرنِي أَأَشْكُرُ نِعْمَته أَمْ أَكْفُرهَا



شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُر لِنَفْسِهِ " أَيْ لَا يَرْجِع نَفْع ذَلِكَ إِلَّا إِلَى نَفْسه , حَيْثُ اِسْتَوْجَبَ بِشُكْرِهِ تَمَام النِّعْمَة وَدَوَامهَا وَالْمَزِيد مِنْهَا . وَالشُّكْر قَيْد النِّعْمَة الْمَوْجُودَة , وَبِهِ تُنَال النِّعْمَة الْمَفْقُودَة .



أَيْ عَنْ الشُّكْر



فِي التَّفَضُّل .