خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة القصص تفسير الطبري الآية 19
فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ﰒ ﴿١٩﴾

سورة القصص تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَرَأَى مُوسَى لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى خَوْف مُتَرَقِّبًا الْأَخْبَار عَنْ أَمْره وَأَمْر الْقَتِيل , فَإِذَا الْإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ يُقَاتِلهُ فِرْعُونِيّ آخَر , فَرَآهُ الْإِسْرَائِيلِيّ فَاسْتَصْرَخَهُ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ . يَقُول : فَاسْتَغَاثَهُ أَيْضًا عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ , وَأَصْله مِنْ الصُّرَاخ , كَمَا يُقَال : قَالَ بَنُو فُلَان : يَا صَبَاحَاهُ , قَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ مُوسَى لِلْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي اِسْتَصْرَخَهُ , وَقَدْ صَادَفَ مُوسَى نَادِمًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ قَتْله بِالْأَمْسِ الْقَتِيل , وَهُوَ يَسْتَصْرِخهُ الْيَوْم عَلَى آخَر : إِنَّك أَيّهَا الْمُسْتَصْرِخ لَغَوِيّ : يَقُول : إِنَّك لَذُو غِوَايَة , مُبِين : يَقُول : قَدْ تَبَيَّنَتْ غِوَايَتك بِقَتْلِك أَمْس رَجُلًا , وَالْيَوْم آخَر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20768 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : أُتِيَ فِرْعَوْن , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَدْ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ آل فِرْعَوْن , فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَلَا تُرَخِّص لَهُمْ فِي ذَلِكَ , قَالَ : اِبْغُونِي قَاتِله وَمَنْ يَشْهَد عَلَيْهِ , لَا يَسْتَقِيم أَنْ نَقْضِيَ بِغَيْرِ بَيِّنَة وَلَا ثَبْت فَاطْلُبُوا ذَلِكَ , فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا , إِذْ مَرَّ مُوسَى مِنْ الْغَد , فَرَأَى ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيّ يُقَاتِل فِرْعَوْنِيًّا , فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ , فَصَادَفَ مُوسَى وَقَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ بِالْأَمْسِ , وَكَرِهَ الَّذِي رَأَى , فَغَضِبَ مُوسَى , فَمَدَّ يَده وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَبْطِش بِالْفِرْعَوْنِيِّ , فَقَالَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ لِمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَالْيَوْم { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } , فَنَظَرَ الْإِسْرَائِيلِيّ إِلَى مُوسَى بَعْد مَا قَالَ هَذَا , فَإِذَا هُوَ غَضْبَان كَغَضَبِهِ بِالْأَمْسِ إِذْ قَتَلَ فِيهِ الْفِرْعَوْنِيّ , فَخَافَ أَنْ يَكُون بَعْد مَا قَالَ لَهُ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } إِيَّاهُ أَرَادَ , وَلَمْ يَكُنْ أَرَادَهُ , إِنَّمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيّ , فَخَافَ الْإِسْرَائِيلِيّ فَحَاجَّهُ , فَقَالَ { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَة أَنْ يَكُون إِيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى لِيَقْتُلهُ , فَتَتَارَكَا. 20769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } قَالَ : الِاسْتِنْصَار وَالِاسْتِصْرَاخ وَاحِد . 20770 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } يَقُول : يَسْتَغِيثهُ . 20771 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ مُوسَى الْقَتِيل , خَرَجَ فَلَحِقَ بِمَنْزِلِهِ مِنْ مِصْر , وَتَحَدَّثَ النَّاس بِشَأْنِهِ , وَقِيلَ : قَتَلَ مُوسَى رَجُلًا حَتَّى اِنْتَهَى ذَلِكَ إِلَى فِرْعَوْن , فَأَصْبَحَ مُوسَى غَادِيًا الْغَد , وَإِذَا صَاحِبه بِالْأَمْسِ مُعَانِق رَجُلًا آخَر مِنْ عَدُوّهُ , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } أَمْس رَجُلًا , وَالْيَوْم آخَر ؟ . 20772 -حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ : هُوَ الَّذِي اِسْتَصْرَخَهُ .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِاَلَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَبْطِش بِالْفِرْعَوْنِيِّ الَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُ وَلِلْإِسْرَائِيلِيِّ , قَالَ الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى وَظَنَّ أَنَّهُ إِيَّاهُ يُرِيد { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20773 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِاَلَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُمَا قَالَ } : خَافَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته حِين قَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } . 20774 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ مُوسَى لِلْإِسْرَائِيلِيِّ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } ثُمَّ أَقْبَلَ لِيَنْصُرهُ , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى مُوسَى قَدْ أَقْبَلَ نَحْوه لِيَبْطِش بِالرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِل الْإِسْرَائِيلِيّ , { قَالَ } الْإِسْرَائِيلِيّ , وَفَرَقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يَبْطِش بِهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُ أَغْلَظَ لَهُ الْكَلَام : { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ , إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } فَتَرَكَهُ مُوسَى . 20775 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَصْحَابه , قَالَ : نَدِمَ بَعْد أَنْ قَتَلَ الْقَتِيل , فَقَالَ : { هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِين } قَالَ : ثُمَّ اِسْتَنْصَرَهُ بَعْد ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى قِبْطِيّ آخَر , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِالْقِبْطِيِّ , ظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنَّهُ إِيَّاهُ يُرِيد , فَقَالَ : يَا مُوسَى { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } ؟ . قَالَ : وَقَالَ اِبْن جُرَيْج , أَوْ اِبْن أَبِي نَجِيح - الطَّبَرِيّ يَشُكّ وَهُوَ فِي الْكِتَاب اِبْن أَبِي نَجِيح - أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَصْبَحَ , أَصْبَحَ نَادِمًا تَائِبًا , يَوَدّ أَنْ لَمْ يَبْطِش بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَقَدْ قَالَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } فَعَلِمَ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنَّ مُوسَى غَيْر نَاصِره ; فَلَمَّا أَرَادَ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنْ يَبْطِش بِالْقِبْطِيِّ نَهَاهُ مُوسَى , فَفَرَقَ الْإِسْرَائِيلِيّ مِنْ مُوسَى , فَقَالَ : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } ؟ فَسَعَى بِهَا الْقِبْطِيّ .



وَقَوْله : { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى : { إِنْ تُرِيد } مَا تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض . وَكَانَ مِنْ فِعْل الْجَبَابِرَة : قَتْل النُّفُوس ظُلْمًا , بِغَيْرِ حَقّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمُوسَى الْإِسْرَائِيلِيّ , لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهمْ مَنْ قَتَلَ نَفْسَيْنِ : مِنْ الْجَبَابِرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20776 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم بْن بَشِير , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : مَنْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهُوَ جَبَّار ; قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ , إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض , وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } . 20777 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } إِنَّ الْجَبَابِرَة هَكَذَا , تَقْتُل النَّفْس بِغَيْرِ النَّفْس . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } قَالَ : تِلْكَ سِيرَة الْجَبَابِرَة أَنْ تَقْتُل النَّفْس بِغَيْرِ النَّفْس .



وَقَوْله : { وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } يَقُول : مَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِمَّنْ يَعْمَل فِي الْأَرْض بِمَا فِيهِ صَلَاح أَهْلهَا , مِنْ طَاعَة اللَّه . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا : 20778 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } أَيْ مَا هَكَذَا يَكُون الْإِصْلَاح.