قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ﱍ
﴿٧٨﴾سورة القصص تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَالَ قَارُون لِقَوْمِهِ الَّذِينَ وَعَظُوهُ : إِنَّمَا أُوتِيت هَذِهِ الْكُنُوز عَلَى فَضْل عِلْم عِنْدِي , عَلِمَهُ اللَّه مِنِّي , فَرَضِيَ بِذَلِكَ عَنِّي , وَفَضَّلَنِي بِهَذَا الْمَال عَلَيْكُمْ , لِعِلْمِهِ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21033 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : عَلَى خَبَر عِنْدِي . 21034 - قَالَ : حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : لَوْلَا رِضَا اللَّه عَنِّي وَمَعْرِفَته بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا , وَقَرَأَ : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } الْآيَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { عِنْدِي } بِمَعْنَى : أَرَى , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُوتِيته لِفَضْلِ عِلْمِي , فِيمَا أَرَى .
وَقَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوَلَمْ يَعْلَم قَارُون حِين زَعَمَ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكُنُوز لِفَضْلِ عِلْم عِنْده عَلِمْته أَنَا مِنْهُ , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يُؤْتَى مَا أُوتِيَ مِنْ الْكُنُوز , أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْأُمَم مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ بَطْشًا , وَأَكْثَر جَمْعًا لِلْأَمْوَالِ ; وَلَوْ كَانَ اللَّه يُؤْتِي الْأَمْوَال مَنْ يُؤْتِيه لِفَضْلٍ فِيهِ وَخَيْر عِنْده , وَلِرِضَاهُ عَنْهُ , لَمْ يَكُنْ يُهْلِك مَنْ أَهْلَكَ مِنْ أَرْبَاب الْأَمْوَال الَّذِينَ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُ مَالًا , لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّه عَنْهُ رَاضِيًا , فَمُحَال أَنْ يُهْلِكهُ اللَّه , وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ , وَإِنَّمَا يُهْلِك مَنْ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا .
وَقَوْله : { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21035 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب. وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ , لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21036 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } كَقَوْلِهِ : { يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } 55 41 . زُرْقًا سُود الْوُجُوه , وَالْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ قَدْ عَرَفَتْهُمْ . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّه مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة الْمُجْرِمُونَ فِيمَ أُهْلِكُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21037 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : عَنْ ذُنُوب الَّذِينَ مَضَوْا فِيمَ أُهْلِكُوا . فَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } عَلَى هَذَا التَّأْوِيل لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } . وَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة لِلْمُجْرِمِينَ , وَهِيَ بِأَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْمُجْرِمِينَ أَوْلَى , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره غَيْر سَائِل عَنْ ذُنُوب مُذْنِب غَيْر مَنْ أَذْنَبَ , لَا مُؤْمِن وَلَا كَافِر . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمُجْرِمِينَ , لَوْ كَانَتْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَانِ فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله { مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , يَعْنِي لِأَنَّهُ غَيْر مَسْئُول عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِن وَلَا كَافِر , إِلَّا الَّذِينَ رَكِبُوهُ وَاكْتَسَبُوهُ .