وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ﰸ
﴿٥٧﴾سورة القصص تفسير القرطبي
أَيْ يُجْمَع إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ أَرْض وَبَلَد ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره يُقَال : جَبَى الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعَهُ . وَالْجَابِيَة الْحَوْض الْعَظِيم وَقَرَأَ نَافِع : " تُجْبَى " بِالتَّاءِ ; لِأَجْلِ الثَّمَرَات وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ , لِقَوْلِهِ : " كُلّ شَيْء " وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد قَالَ : لِأَنَّهُ حَال بَيْن الِاسْم الْمُؤَنَّث وَبَيْن فِعْلِهِ حَائِل وَأَيْضًا فَإِنَّ الثَّمَرَات جَمْع , وَلَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيّ وَقُرِئَ " يُجْنَى " بِالنُّونِ مِنْ الْجَنَا , وَتَعْدِيَته بِإِلَى كَقَوْلِك يُجْنَى إِلَى فِيهِ وَيُجْنَى إِلَى الْخَافَّة
أَيْ مِنْ عِنْدنَا وَ " رِزْقًا " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول مِنْ أَجْله . وَيَجُوز نَصْبه عَلَى الْمَصْدَر بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى " تُجْبَى " تُرْزَق
أَيْ لَا يَعْقِلُونَ ; أَيْ هُمْ غَافِلُونَ عَنْ الِاسْتِدْلَال وَأَنَّ مَنْ رَزَقَهُمْ وَأَمَّنَهُمْ فِيمَا مَضَى حَال كُفْرهمْ يَرْزُقهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا , وَيَمْنَع الْكُفَّار عَنْهُمْ فِي إِسْلَامهمْ
هَذَا قَوْل مُشْرِكِي مَكَّة قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَائِل ذَلِكَ مِنْ قُرَيْش الْحَارِث بْن عُثْمَان بْن نَوْفَل بْن عَبْد مَنَاف الْقُرَشِيّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا لَنَعْلَم أَنَّ قَوْلك حَقّ , وَلَكِنْ يَمْنَعنَا أَنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك , وَنُؤْمِن بِك , مَخَافَة أَنْ يَتَخَطَّفنَا الْعَرَب مِنْ أَرْضنَا - يَعْنِي مَكَّة - لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافنَا , وَلَا طَاقَة لَنَا بِهِمْ وَكَانَ هَذَا مِنْ تَعَلُّلَاتِهِمْ وَالتَّخَطُّف الِانْتِزَاع بِسُرْعَةٍ .
أَجَابَ اللَّه تَعَالَى عَمَّا اُعْتُلَّ بِهِ فَقَالَ : " أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا " أَيْ ذَا أَمْن وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة يُغِير بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَيَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , وَأَهْل مَكَّة آمِنُونَ حَيْثُ كَانُوا بِحُرْمَةِ الْحَرَم , فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ أَمَّنَهُمْ بِحُرْمَةِ الْبَيْت , وَمَنَعَ عَنْهُمْ عَدُوّهُمْ , فَلَا يَخَافُونَ أَنْ تَسْتَحِلّ الْعَرَب حُرْمَة فِي قِتَالهمْ قَالَ يَحْيَى بْن سَلَّام يَقُول : كُنْتُمْ آمِنِينَ فِي حَرَمِي , تَأْكُلُونَ رِزْقِي , وَتَعْبُدُونَ غَيْرِي , أَفَتَخَافُونَ إِذَا عَبَدْتُمُونِي وَآمَنْتُمْ بِي
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمنا أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك أن نُتخطف من أرضنا، فإنا في حرم الله آمنون من العرب الذين يغيرون بعضهم على بعض، فإن اتبعناك تخطفنا الناس. فأنزل الله: "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرماً آمناً".
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله