هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﰅ
﴿٦﴾سورة آل عمران تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اللَّه الَّذِي يُصَوِّركُمْ فَيَجْعَلكُمْ صُوَرًا أَشْبَاحًا فِي أَرْحَام أُمَّهَاتكُمْ كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , فَيَجْعَل هَذَا ذَكَرًا وَهَذَا أُنْثَى , وَهَذَا أَسْوَد وَهَذَا أَحْمَر . يُعَرِّف عِبَاده بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيع مَنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام النِّسَاء مِمَّنْ صَوَّرَهُ وَخَلَقَهُ كَيْفَ شَاءَ , وَأَنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم مِمَّنْ صَوَّرَهُ فِي رَحِم أُمّه وَخَلَقَهُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ رَحِم أُمّه , لِأَنَّ خَلَّاق مَا فِي الْأَرْحَام لَا تَكُون الْأَرْحَام عَلَيْهِ مُشْتَمِلَة , وَإِنَّمَا تَشْتَمِل عَلَى الْمَخْلُوقِينَ . كَمَا : 5157 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن
إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صَوَّرَ فِي الْأَرْحَام , لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ , وَلَا يُنْكِرُونَهُ , كَمَا صَوَّرَ غَيْره مِنْ بَنِي آدَم , فَكَيْفَ يَكُون إِلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِل ؟ 5158 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } أَيْ أَنَّهُ صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِم كَيْفَ شَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 5159 - حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَالَ : إِذَا وَقَعَتْ النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام , طَارَتْ فِي الْجَسَد أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون عَلَقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون مُضْغَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يُخَلَّق بَعَثَ اللَّه مَلَكًا يُصَوِّرهَا , فَيَأْتِي الْمَلَك بِتُرَابٍ بَيْن أُصْبُعَيْهِ , فَيَخْلِطهُ فِي الْمُضْغَة ثُمَّ يَعْجِنهُ بِهَا ثُمَّ يُصَوِّرهَا كَمَا يُؤْمَر , فَيَقُول : أَذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَشَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَمَا رِزْقه , وَمَا عُمْره , وَمَا أَثَره , وَمَا مَصَائِبه ؟ فَيَقُول اللَّه , وَيَكْتُب الْمَلَك . فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الْجَسَد , دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرَاب . 5160 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا أَنْ يُصَوِّر عِبَاده فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَوْ أَسْوَد أَوْ أَحْمَر , تَامّ خَلْقه وَغَيْر تَامّ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } وَهَذَا الْقَوْل تَنْزِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفْسه أَنْ يَكُون لَهُ فِي رُبُوبِيَّته نِدّ أَوْ مِثْل أَوْ أَنْ تَجُوز الْأُلُوهَة لِغَيْرِهِ , وَتَكْذِيب مِنْهُ لِلَّذِينَ قَالُوا فِي عِيسَى مَا قَالُوا مِنْ وَفْد نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَائِر مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ فِي عِيسَى , وَلِجَمِيعِ مَنْ اِدَّعَى مَعَ اللَّه مَعْبُودًا , أَوْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ غَيْره . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه بِصِفَتِهِ وَعِيدًا مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَ غَيْره أَوْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَته أَحَدًا سِوَاهُ , فَقَالَ : { هُوَ الْعَزِيز } الَّذِي لَا يَنْصُر مَنْ أَرَادَ الِانْتِقَام مِنْهُ أَحَد , وَلَا يُنْجِيه مِنْهُ وَأْل وَلَا لَجَأ , وَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ الَّتِي يَذِلّ لَهَا كُلّ مَخْلُوق , وَيَخْضَع لَهَا كُلّ مَوْجُود . ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ الْحَكِيم فِي تَدْبِيره , وَإِعْذَاره إِلَى خَلْقه , وَمُتَابَعَة حُجَجه عَلَيْهِمْ , لِيَهْلِك مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَنْ بَيِّنَة , وَيَحْيَا مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَة . كَمَا : 5161 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثُمَّ قَالَ : - يَعْنِي الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ إِنْزَاهًا لِنَفْسِهِ , وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ - : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } قَالَ : الْعَزِيز فِي نُصْرَته مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إِذَا شَاءَ , وَالْحَكِيم فِي عُذْره وَحُجَّته إِلَى عِبَاده . 1625 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : عَزِيز فِي نِقْمَته , حَكِيم فِي أَمْره .