خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة آل عمران تفسير السعدي الآية 61
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ﰼ ﴿٦١﴾

سورة آل عمران تفسير السعدي

فوصلت به وبهم الحال, إلى أن أمره الله تعالى أن يباهلهم.

فإنه قد اتضح لهم الحق, ولكن العناد والتعصب منعاهم منه.

فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة, بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه, وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم, ثم يدعون الله تعالى, أن ينزل عقوبته ولعنته, على الكاذبين.

فتشاوروا, هل يجيبونه إلى ذلك؟ فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه, لأنهم عرفوا أنه نبي الله حقا.

وأنهم - إن باهلوه - هلكوا, هم وأولادهم وأهلوهم.

فصالحوه, وبذلوا له الجزية, وطلبوا منه الموادعة والمهادنة.

فأجابهم صلى الله عليه وسلم ولم يحرجهم, لأنه حصل المقصود من وضوح الحق.

وتبين عنادهم حيث صمموا على الامتناع عن المباهلة, وذلك يبرهن على أنهم كانوا ظالمين.

سبب النزول

لما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمباهلته، وقد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذاً بيد علي والحسن والحسين بين يديه يمشي وفاطمة تمشي خلفه، وخرج وفد نجران، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد أقبل بمن معه سألوا عنهم، فقيل: هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه، وهذان ابنا ابنته من علي، وهذه بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثا على ركبتيه، قال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما يجثو الأنبياء للمباهلة، فكع - أي امتنع - ولم يقدم على المباهلة. فقال له السيد: ادنُ يا أبا حارثة للمباهلة! فقال: لا والله، لا أباهله؛ فإنه إن كان نبياً فباهلنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا. قال: "فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم". فأَبَوا. قال: "فإني أناجزكم القتال". فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة، ألف في صفر وألف في رجب، وثلاثين درعاً عاديةً من حديد. فصالحهم على ذلك. فأنزل الله تعالى: "فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم".
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله