فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ﰝ
﴿٣٠﴾سورة السجدة تفسير القرطبي
مَعْنَاهُ فَأَعْرِضْ عَنْ سَفَههمْ وَلَا تُجِبْهُمْ إِلَّا بِمَا أُمِرْت بِهِ . " وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ " أَيْ اِنْتَظِرْ يَوْم الْفَتْح , يَوْم يَحْكُم اللَّه لَك عَلَيْهِمْ . اِبْن عَبَّاس : " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أَيْ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْش مَكَّة , وَأَنَّ هَذَا مَنْسُوخ بِالسَّيْفِ فِي " بَرَاءَة " فِي قَوْله : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] . " وَانْتَظِرْ " أَيْ مَوْعِدِي لَك . قِيلَ : يَعْنِي يَوْم بَدْر . " إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ " أَيْ يَنْتَظِرُونَ بِكُمْ حَوَادِث الزَّمَان . وَقِيلَ : الْآيَة غَيْر مَنْسُوخَة ; إِذْ قَدْ يَقَع الْإِعْرَاض مَعَ الْأَمْر بِالْقِتَالِ كَالْهُدْنَةِ وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : أَعْرِضْ عَنْهُمْ بَعْدَمَا بَلَّغْت الْحُجَّة , وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ . إِنْ قِيلَ : كَيْف يَنْتَظِرُونَ الْقِيَامَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؟ فَفِي هَذَا جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ الْمَوْت وَهُوَ مِنْ أَسْبَاب الْقِيَامَة ; فَيَكُون هَذَا مَجَازًا . وَالْآخَر : أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَشُكّ وَفِيهِمْ مَنْ يُؤْمِن بِالْقِيَامَةِ ; فَيَكُون هَذَا جَوَابًا لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع : " إِنَّهُمْ مُنْتَظَرُونَ " بِفَتْحِ الظَّاء . وَرُوِيَتْ عَنْ مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن . قَالَ الْفَرَّاء : لَا يَصِحّ هَذَا إِلَّا بِإِضْمَارٍ , مَجَازه : أَنَّهُمْ مُنْتَظَرُونَ بِهِمْ . قَالَ أَبُو حَاتِم : الصَّحِيح الْكَسْر ; أَيْ اِنْتَظِرْ عَذَابهمْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ هَلَاكك . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع ( بِفَتْحِ الظَّاء ) مَعْنَاهَا : وَانْتَظِرْ هَلَاكهمْ فَإِنَّهُمْ أَحِقَّاء بِأَنْ يُنْتَظَر هَلَاكُهُمْ ; يَعْنِي أَنَّهُمْ هَالِكُونَ لَا مَحَالَة , وَانْتَظِرْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء يَنْتَظِرُونَهُ ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْفَرَّاء . وَاَللَّه أَعْلَمُ .