خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة سبأ تفسير الطبري الآية 8
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ﰇ ﴿٨﴾

سورة سبأ تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ , وَأَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَات بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , مُعْجَبِينَ مِنْ رَسُول اللَّه فِي وَعْده إِيَّاهُمْ ذَلِكَ : أَفْتَرَى هَذَا الَّذِي يَعِدنَا أَنَّا بَعْدَ أَنْ نُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّق فِي خَلْق جَدِيد عَلَى اللَّه كَذِبًا , فَتَخَلَّقَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَاطِلًا مِنَ الْقَوْل , وَتَخَرَّصَ عَلَيْهِ قَوْل الزُّورِ { أَمْ بِهِ جِنَّة } يَقُول : أَمْ هُوَ مَجْنُون فَيَتَكَلَّم بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21922 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : قَالُوا تَكْذِيبًا : { أَفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } قَالَ : قَالُوا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَكْذِب عَلَى اللَّه , أَمْ بِهِ جِنَّة , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا { بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } الْآيَة . 21923 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد ; ثُمَّ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { أَفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّة } الرَّجُل مَجْنُون فَيَتَكَلَّم بِمَا لَا يَعْقِل , فَقَالَ اللَّه : { الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَاب وَالضَّلَال الْبَعِيد } .



وَقَوْله : { بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَاب وَالضَّلَال الْبَعِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا الْأَمْر كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَظَنُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا , أَوْ أَنَّ بِهِ جِنَّة , لَكِنْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة , وَفِي الذَّهَاب الْبَعِيد عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَقَصْد السَّبِيل , فَهُمْ مِنْ أَجْل ذَلِكَ يَقُولُونَ فِيهِ مَا يَقُولُونَ . 21924 -حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد ; قَالَ اللَّه : { بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَاب وَالضَّلَال الْبَعِيد } وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُمْ لِيَعْتَبِرُوا , وَقَرَأَ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } 64 7 الْآيَة كُلّهَا , وَقَرَأَ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } 34 3 . وَقُطِعَتْ الْأَلِف مِنْ قَوْله : { أَفْتَرَى عَلَى اللَّه } فِي الْقَطْع وَالْوَصْل , فَفُتِحَتْ لِأَنَّهَا أَلِف اسْتِفْهَام . فَأَمَّا الْأَلِف الَّتِي بَعْدَهَا , الَّتِي هِيَ أَلِف أَفْتَعَلَ , فَإِنَّهَا ذَهَبَتْ لِأَنَّهَا خَفِيفَة زَائِدَة تَسْقُط فِي اتِّصَال الْكَلَام , وَنَظِيرهَا : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ } 63 6 وَ { بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْت } 38 75 و { أَصْطَفَى الْبَنَات } 37 153 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَأَمَّا أَلِف " آلْآنَ " " وَ آلذَّكَرَيْنِ " فَطُوِّلَتْ هَذِهِ , وَلَمْ تُطَوَّل تِلْكَ ; لِأَنَّ آلْآنَ وَ آلذَّكَرَيْنِ كَانَتْ مَفْتُوحَة , فَلَوْ أُسْقِطَتْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر فَرْق , فَجُعِلَ التَّطْوِيل فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر , وَأَلِف الِاسْتِفْهَام مَفْتُوحَة , فَكَانَتَا مُفْتَرِقَتَيْنِ بِذَلِكَ , فَأَغْنَى ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى الْفَرْق مِنْ التَّطْوِيل.