خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة يس تفسير الطبري الآية 68
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ﱃ ﴿٦٨﴾

سورة يس تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الْخَلْق أَفَلَا يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَنْ نُعَمِّرهُ } فَنَمُدّ لَهُ فِي الْعُمُر { نُنَكِّسهُ فِي الْخَلْق } نَرُدّهُ إِلَى مِثْل حَاله فِي الصِّبَا مِنْ الْهَرَم وَالْكِبَر , وَذَلِكَ هُوَ النَّكْس فِي الْخَلْق , فَيَصِير لَا يَعْلَم شَيْئًا بَعْد الْعِلْم الَّذِي كَانَ يَعْلَمهُ. وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22383 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَنْ نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الْخَلْق } يَقُول : مَنْ نَمُدّ لَهُ فِي الْعُمُر نُنَكِّسهُ فِي الْخَلْق , لِكَيْلَا يَعْلَم بَعْد عِلْم شَيْئًا , يَعْنِي الْهَرَم وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { نُنَكِّسهُ } فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " نَنْكِسْهُ " بِفَتْحِ النُّون الْأُولَى وَتَسْكِين الثَّانِيَة , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { نُنَكِّسهُ } بِضَمِّ النُّون الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة وَتَشْدِيد الْكَافّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنَّ الَّتِي عَلَيْهَا عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ أَعْجَب إِلَيَّ , لِأَنَّ التَّنْكِيس مِنْ اللَّه فِي الْخَلْق إِنَّمَا هُوَ حَال بُعْد حَال , وَشَيْء بَعْد شَيْء , فَذَلِكَ تَأْيِيد لِلتَّشْدِيدِ . وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَفَلَا يَعْقِلُونَ } فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْمَدِينَة : " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " بِالتَّاءِ عَلَى وَجْه الْخِطَاب . وَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْكُوفَة بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر , وَقِرَاءَة ذَلِكَ بِالْيَاءِ أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , لِأَنَّهُ اِحْتِجَاج مِنْ اللَّه عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ } فَإِخْرَاج ذَلِكَ خَبَرًا عَلَى نَحْو مَا خَرَجَ قَوْله : { لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ } أَعْجَب إِلَيَّ , وَإِنْ كَانَ الْآخَر غَيْر مَدْفُوع. وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أَفَلَا يَعْقِلُونَ } : أَفَلَا يَعْقِل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قُدْرَة اللَّه عَلَى مَا يَشَاء بِمُعَايَنَتِهِمْ مَا يُعَايِنُونَ مِنْ تَصْرِيفه خَلْقه فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ مِنْ صِغَر إِلَى كِبَر , وَمِنْ تَنْكِيس بَعْد كِبَر فِي هَرَم .