أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ﰞ
﴿٣١﴾سورة يس تفسير القرطبي
قَالَ سِيبَوَيْهِ : " أَنَّ " بَدَل مِنْ " كَمْ " , وَمَعْنَى كَمْ هَاهُنَا الْخَبَر ; فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُبْدَل مِنْهَا مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ . وَالْمَعْنَى : أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْقُرُون الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ . وَقَالَ الْفَرَّاء : " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا بِـ " يَرَوْا " وَاسْتَشْهَدَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا " . وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ يَكُون " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " أَهْلَكْنَا " . قَالَ النَّحَّاس : الْقَوْل الْأَوَّل مُحَال ; لِأَنَّ " كَمْ " لَا يَعْمَل فِيهَا مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّهَا اِسْتِفْهَام , وَمُحَال أَنْ يَدْخُل الِاسْتِفْهَام فِي خَبَر مَا قَبْله . وَكَذَا حُكْمهَا إِذَا كَانَتْ خَبَرًا , وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أَوْمَأَ إِلَى بَعْض هَذَا فَجَعَلَ " أَنَّهُمْ " بَدَلًا مِنْ كَمْ . وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَشَدَّ رَدٍّ , وَقَالَ : " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " أَهْلَكْنَا " وَ " أَنَّهُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب , وَالْمَعْنَى عِنْده بِأَنَّهُمْ أَيْ " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُون " بِالِاسْتِئْصَالِ . قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ الْقُرُون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ " . وَقَرَأَ الْحَسَن : " إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ " بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى الِاسْتِئْنَاف . وَهَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مِنْ الْخَلْق مَنْ يَرْجِع قَبْل الْقِيَامَة بَعْد الْمَوْت .