كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ﰂ
﴿٣﴾سورة ص تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلَاتَ حِين مَنَاص } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَثِيرًا أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدنَا مِنْ الْحَقّ { مِنْ قَرْن } يَعْنِي : مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ كَانُوا قَبْلهمْ , فَسَلَكُوا سَبِيلهمْ فِي تَكْذِيب رُسُلهمْ فِيمَا أَتَوْهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه { فَنَادَوْا } يَقُول : فَعَجُّوا إِلَى رَبّهمْ وَضَجُّوا وَاسْتَغَاثُوا بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ , حِين نَزَلَ بِهِمْ بَأْس اللَّه وَعَايَنُوا بِهِ عَذَابه فِرَارًا مِنْ عِقَابه , وَهَرَبًا مِنْ أَلِيم عَذَابه { وَلَاتَ حِين مَنَاص } يَقُول : وَلَيْسَ ذَلِكَ حِين فِرَار وَلَا هَرَبَ مِنْ الْعَذَاب بِالتَّوْبَةِ , وَقَدْ حَقَّتْ كَلِمَة الْعَذَاب عَلَيْهِمْ , وَتَابُوا حِين لَا تَنْفَعهُمْ التَّوْبَة , وَاسْتَقَالُوا فِي غَيْر وَقْت الْإِقَالَة. وَقَوْله : { مَنَاص } مَفْعَل مِنْ النَّوْص , وَالنَّوْص فِي كَلَام الْعَرَب : التَّأَخُّر , وَالْمَنَاص : الْمَفَرّ ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : أَمِنْ ذِكْر سَلْمَى إِذْ نَأَتْك تَنُوص فَتَقْصِر عَنْهَا خُطْوَة وَتَبُوص يَقُول : أَوْ تَقَدَّمَ يُقَال مِنْ ذَلِكَ : نَاصَنِي فُلَان : إِذَا ذَهَبَ عَنْك , وَبَاصَنِي : إِذَا سَبَقَك , وَنَاضَ فِي الْبِلَاد : إِذَا ذَهَبَ فِيهَا , بِالضَّادِ . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ الْعُقَيْلِيّ أَنْشَدَهُ : إِذَا عَاشَ إِسْحَاق وَشَيْخه لَمْ أُبَل فَقَيْدًا وَلَمْ يَصْعُب عَلَيَّ مَنَاض وَلَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّة السِّتْر عَاطِلًا لَقُلْت غَزَال مَا عَلَيْهِ خُضَاض وَالْخُضَاض : الْحُلِيّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22824- حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ التَّمِيمِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : لَيْسَ بِحِينِ نَزْو , وَلَا حِين فِرَار. - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ , قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : لَيْسَ بِحِينِ نَزْو وَلَا فِرَار ضَبَطَ الْقَوْم . - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , عَنْ التَّمِيمِيّ , قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس , قَوْل اللَّه { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : لَيْسَ حِين نَزْو وَلَا فِرَار . -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : لَيْسَ حِين نَزْو وَلَا فِرَار . 22825 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } يَقُول : لَيْسَ حِين مُغَاث . 22826 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن . قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : لَيْسَ هَذَا بِحِينِ فِرَار . 22827 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَنَادُوا وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : نَادَى الْقَوْم عَلَى غَيْر حِين نِدَاء , وَأَرَادُوا التَّوْبَة حِين عَايَنُوا عَذَاب اللَّه فَلَمْ يُقْبَل مِنْهُمْ ذَلِكَ . 22828 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } قَالَ : حِين نَزَلَ بِهِمْ الْعَذَاب لَمْ يَسْتَطِيعُوا الرُّجُوع إِلَى التَّوْبَة , وَلَا فِرَارًا مِنْ الْعَذَاب. 22829 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَنَادُوا وَلَاتَ حِين مَنَاص } يَقُول : وَلَيْسَ حِين فِرَار . 22830 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَاتَ حِين مَنَاص } وَلَاتَ حِين مَنْجَى يَنْجُونَ مِنْهُ , وَنُصِبَ حِين فِي قَوْله : { وَلَاتَ حِينَ مَنَاص } تَشْبِيهًا لِلَّاتِي بِلَيْسَ , وَأُضْمِرَ فِيهَا اِسْم الْفَاعِل . وَحَكَى بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة الرَّفْع مَعَ لَاتَ فِي حِين زَعَمَ أَنَّ بَعْضهمْ رَفَعَ " وَلَاتَ حِينُ مَنَاص " فَجَعَلَهُ فِي قَوْله لَيْسَ , كَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ وَأُضْمِرَ الْحِين ; قَالَ : وَفِي الشِّعْر : طَلَبُوا صُلْحنَا وَلَاتَ أَوَان فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِين بَقَاء فَجُرَّ " أَوَان " وَأُضْمِرَ الْحِين إِلَى أَوَان , لِأَنَّ لَاتَ لَا تَكُون إِلَّا مَعَ الْحِين ; قَالَ : وَلَا تَكُون لَاتَ إِلَّا مَعَ حِين . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مِنْ الْعَرَب مَنْ يُضِيف لَاتَ فَيَخْفِض بِهَا , وَذُكِرَ أَنَّهُ أُنْشِدَ : لَاتَ سَاعَةِ مَنْدَم بِخَفْضِ السَّاعَة ; قَالَ : وَالْكَلَام أَنْ يَنْصِب بِهَا , لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى لَيْسَ , وَذُكِرَ أَنَّهُ أَنْشَدَ : تَذَكَّرَ حُبّ لَيْلَى لَاتَ حِينًا وَأَضْحَى الشَّيْب قَدْ قَطَعَ الْقَرِينَا قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضهمْ : طَلَبُوا صُلْحنَا وَلَاتَ أَوَان فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِين بَقَاء بِخَفْضِ " أَوَان " ; قَالَ : وَتَكُون لَاتَ مَعَ الْأَوْقَات كُلّهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْه الْوَقْف عَلَى قِرَاءَة : { لَاتَ حِين } فَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَاتَ بِالتَّاءِ , ثُمَّ يُبْتَدَأ حِين مَنَاص , قَالُوا : وَإِنَّمَا هِيَ " لَا " الَّتِي بِمَعْنَى : " مَا " , وَإِنَّ فِي الْجَحْد وُصِلَتْ بِالتَّاءِ , كَمَا وُصِلَتْ ثُمَّ بِهَا , فَقِيلَ : ثُمَّتْ , وَكَمَا وُصِلَتْ رُبَّ فَقِيلَ : رُبَّتْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هِيَ هَاء زِيدَتْ فِي لَا , فَالْوَقْف عَلَيْهَا لَاهٍ , لِأَنَّهَا هَاء زِيدَتْ لِلْوَقْفِ , كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلهمْ : الْعَاطِفُونَة حِين مَا مِنْ عَاطِف وَالْمُطْعِمُونَة حِين أَيْنَ الْمَطْعِمُ فَإِذَا وُصِلَتْ صَارَتْ تَاء. وَقَالَ بَعْضهمْ : الْوَقْف عَلَى " لَا " , وَالِابْتِدَاء بَعْدهَا تَحَيُّن , وَزَعَمَ أَنَّ حُكْم التَّاء أَنْ تَكُون فِي اِبْتِدَاء حِين , وَأَوَان , وَالْآن ; وَيُسْتَشْهَد لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : تَوَلَّيْ قَبْل يَوْم سَبْي جُمَانَا وَصِلِينَا كَمَا زَعَمْت تَلَانَا وَأَنَّهُ لَيْسَ هَا هُنَا " لَا " فَيُوصَل بِهَا هَاء أَوْ تَاء ; وَيَقُول : إِنَّ قَوْله : { لَاتَ حِين } إِنَّمَا هِيَ : لَيْسَ حِين , وَلَمْ تُوجَد لَاتَ فِي شَيْء مِنْ الْكَلَام . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّ " لَا " حَرْف جَحْد كَمَا وَإِنْ وُصِلَتْ بِهَا تَصِير فِي الْوَصْل تَاء , كَمَا فَعَلَتْ الْعَرَب ذَلِكَ بِالْأَدَوَاتِ , وَلَمْ تَسْتَعْمِل ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعَ " لَا " الْمُدَّة إِلَّا لِلْأَوْقَاتِ دُون غَيْرهَا , وَلَا وَجْه لِلْعِلَّةِ الَّتِي اِعْتَلَّ بِهَا الْقَائِل : إِنَّهُ لَمْ يَجِد لَاتَ فِي شَيْء مِنْ كَلَام الْعَرَب , فَيَجُوز تَوْجِيه قَوْله : { وَلَاتَ حِين } إِلَى ذَلِكَ , لِأَنَّهَا تَسْتَعْمِل الْكَلِمَة فِي مَوْضِع , ثُمَّ تَسْتَعْمِلهَا فِي مَوْضِع آخَر بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَبْعَد فِي الْقِيَاس مِنْ الصِّحَّة مِنْ قَوْلهمْ : رَأَيْت بِالْهَمْزِ , ثُمَّ قَالُوا : فَأَنَا أَرَاهُ بِتَرْكِ الْهَمْز لِمَا جَرَى بِهِ اِسْتِعْمَالهمْ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُرُوف الَّتِي تَأْتِي فِي مَوْضِع عَلَى صُورَة , ثُمَّ تَأْتِي بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي مَوْضِع آخَر لِلْجَارِي مِنْ اِسْتِعْمَال الْعَرَب ذَلِكَ بَيْنهَا. وَأَمَّا مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ قَوْل الشَّاعِر : " وَكَمَا زَعَمَتْ تَلَانَا " , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ غَلَط فِي تَأْوِيل الْكَلِمَة ; وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّاعِر بِقَوْلِهِ : " وَصِلِينَا كَمَا زَعَمْت تَلَانَا " : وَصِلِينَا كَمَا زَعَمْت أَنْتِ الْآن , فَأَسْقَطَ الْهَمْزَة مِنْ أَنْتِ , فَلَقِيَتْ التَّاء مِنْ زَعَمْت النُّون مِنْ أَنْتِ وَهِيَ سَاكِنَة , فَسَقَطَتْ مِنْ اللَّفْظ , وَبَقِيَتْ التَّاء مِنْ أَنْتِ , ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَة مِنْ الْآن , فَصَارَتْ الْكَلِمَة فِي اللَّفْظ كَهَيْئَةِ تَلَان , وَالتَّاء الثَّانِيَة عَلَى الْحَقِيقَة مُنْفَصِلَة مِنْ الْآن , لِأَنَّهَا تَاء أَنْتِ. وَأَمَّا زَعْمه أَنَّهُ رَأَى فِي الْمُصْحَف الَّذِي يُقَال لَهُ " الْإِمَام " التَّاء مُتَّصِلَة بِحِين , فَإِنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْصَارهَا هُوَ الْحُجَّة عَلَى أَهْل الْإِسْلَام , وَالتَّاء فِي جَمِيعهَا مُنْفَصِلَة عَنْ حِين , فَلِذَلِكَ اِخْتَرْنَا أَنْ يَكُون الْوَقْف عَلَى الْهَاء فِي قَوْله : { وَلَاتَ حِين }