خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة النساء تفسير الطبري الآية 10
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ﰉ ﴿١٠﴾

سورة النساء تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا } يَقُول : بِغَيْرِ حَقّ , { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا } يَوْم الْقِيَامَة , بِأَكْلِهِمْ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا فِي الدُّنْيَا , نَار جَهَنَّم. { وَسَيَصْلَوْنَ } بِأَكْلِهِمْ { سَعِيرًا } . كَمَا : 6939 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا } قَالَ : إِذَا قَامَ الرَّجُل يَأْكُل مَال الْيَتِيم ظُلْمًا , يُبْعَث يَوْم الْقِيَامَة وَلَهَب النَّار يَخْرُج مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعه وَمِنْ أُذُنَيْهِ وَأَنْفه وَعَيْنَيْهِ , يَعْرِفهُ مَنْ رَآهُ يَأْكُل مَال الْيَتِيم . 6940 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو هَارُون الْعَبْدِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : ثنا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ , قَالَ : " نَظَرْت فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشَافِر كَمَشَافِر الْإِبِل وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذ بِمَشَافِرِهِمْ , ثُمَّ يَجْعَل فِي أَفْوَاههمْ صَخْرًا مِنْ نَار يَخْرُج مِنْ أَسَافِلهمْ , قُلْت : يَا جِبْرِيل مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا " . 6941 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } قَالَ : قَالَ أَبِي : إِنَّ هَذِهِ لِأَهْلِ الشِّرْك حِين كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَهُمْ وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالهمْ .



وَأَمَّا قَوْله : { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } فَإِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الصَّلَا , وَالصَّلَا : الِاصْطِلَاء بِالنَّارِ , وَذَلِكَ التَّسْخِين بِهَا , كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَق : وَقَاتَلَ كَلْب الْحَيّ عَنْ نَار أَهْله لِيَرْبِض فِيهَا وَالصَّلَا مُتَكَنَّف وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاج : وَصَالِيَانِ لِلصَّلَا صُلِيّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَنْ بَاشَرَ بِيَدِهِ أَمْرًا مِنْ الْأُمُور , مِنْ حَرْب أَوْ قِتَال أَوْ خُصُومَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتهَا عَلِمَ اللَّـ ـهُ وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْم صَالِي فَجَعَلَ مَا بَاشَرَ مِنْ شِدَّة الْحَرْب وَإِجْرَاء الْقِتَال , بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَة أَذَى النَّار وَحَرّهَا. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْعِرَاق : { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } بِفَتْحِ الْيَاء عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي قُلْنَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمَكِّيِّينَ وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " بِضَمِّ الْيَاء , بِمَعْنَى يُحَرِّقُونَ مِنْ قَوْلهمْ : شَاة مَصْلِيَّة , يَعْنِي : مَشْوِيَّة. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْفَتْح بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الضَّمّ لِإِجْمَاعِ جَمِيع الْقُرَّاء عَلَى فَتْح الْيَاء فِي قَوْله : { لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى } وَلِدَلَالَةِ قَوْله : { إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيم } عَلَى أَنَّ الْفَتْح بِهَا أَوْلَى مِنْ الضَّمّ . وَأَمَّا السَّعِير : فَإِنَّهُ شِدَّة حَرّ جَهَنَّم , وَمِنْهُ قِيلَ : اِسْتَعَرَتْ الْحَرْب : إِذَا اِشْتَدَّتْ , وَإِنَّمَا هُوَ مَسْعُور , ثُمَّ صُرِفَ إِلَى سَعِير , قِيلَ : كَفّ خَضِيب , وَلِحْيَة دَهِين , وَإِنَّمَا هِيَ مَخْضُوبَة صُرِفَتْ إِلَى فَعِيل. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا : وَسَيَصْلَوْنَ نَارًا مُسَعَّرَة : أَيْ مَوْقُودَة مُشْعَلَة , شَدِيدًا حَرّهَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { وَإِذَا الْجَحِيم سُعِّرَتْ } فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا مَسْعُورَة , ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ أَكَلَة أَمْوَال الْيَتَامَى يَصْلَوْنَهَا , وَهِيَ كَذَلِكَ , فَالسَّعِير إِذًا فِي هَذَا الْمَوْضِع صِفَة لِلْجَحِيمِ عَلَى مَا وَصَفْنَا .