خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة غافر تفسير الطبري الآية 20
وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ﰓ ﴿٢٠﴾

سورة غافر تفسير الطبري

{ وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } يَقُول : وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره يَقْضِي فِي الَّذِي خَانَتْهُ الْأَعْيُن بِنَظَرِهَا , وَأَخْفَتْهُ الصُّدُور عِنْد نَظَر الْعُيُون بِالْحَقِّ , فَيَجْزِي الَّذِينَ أَغْمَضُوا أَبْصَارهمْ , وَصَرَفُوهَا عَنْ مَحَارِمه حِذَار الْمَوْقِف بَيْن يَدَيْهِ , وَمَسْأَلَته عَنْهُ بِالْحُسْنَى , وَاَلَّذِينَ رَدَّدُوا النَّظَر , وَعَزَمَتْ قُلُوبهمْ عَلَى مُوَاقَعَة الْفَوَاحِش إِذَا قَدَرَتْ , جَزَاءَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23375 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن حُسَيْن بْن وَاقِد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن } إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا تُرِيد الْخِيَانَة أَمْ لَا { وَمَا تُخْفِي الصُّدُور } إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهَا أَتَزْنِي بِهَا أَمْ لَا ؟ قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ , ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِاَلَّتِي تَلِيهَا ؟ قُلْت نَعَمْ , قَالَ : { وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَة , وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } قَالَ الْحَسَن : فَقُلْت لِلْأَعْمَشِ : حَدَّثَنِي الْكَلْبِيّ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة , وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرًا . وَقَالَ الْأَعْمَش : إِنَّ الَّذِي عِنْد الْكَلْبِيّ عِنْدِي , مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا بِحَقِيرٍ .



وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } يَقُول : وَالْأَوْثَان وَالْآلِهَة الَّتِي يَعْبُدهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ , لِأَنَّهَا لَا تَعْلَم شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى شَيْء , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : فَاعْبُدُوا الَّذِي يَقْدِر عَلَى كُلّ شَيْء , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ , فَيَجْزِي مُحْسِنكُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ , لَا مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَلَا يَعْلَم شَيْئًا , فَيَعْرِف الْمُحْسِن مِنْ الْمُسِيء , فَيُثِيب الْمُحْسِن , وَيُعَاقِب الْمُسِيء .





وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِمَا تَنْطِق بِهِ أَلْسِنَتكُمْ أَيّهَا النَّاس , الْبَصِير بِمَا تَفْعَلُونَ مِنْ الْأَفْعَال , مُحِيط بِكُلِّ ذَلِكَ مُحْصِيه عَلَيْكُمْ , لِيُجَازِيَ جَمِيعكُمْ جَزَاءَهُ يَوْم الْجَزَاء. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه " بِالتَّاءِ عَلَى وَجْه الْخِطَاب . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِالْيَاءِ عَلَى وَجْه الْخَبَر. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .