خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة غافر تفسير الطبري الآية 71
إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ﱆ ﴿٧١﴾

سورة غافر تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ وَالسَّلَاسِل } , وَهَذَا تَهْدِيد مِنْ اللَّه الْمُشْرِكِينَ بِهِ ; يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَسَوْفَ يَعْلَم هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَات اللَّه , الْمُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ حَقِيقَة مَا تُخْبِرهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّد , وَصِحَّة مَا هُمْ بِهِ الْيَوْم مُكَذِّبُونَ مِنْ هَذَا الْكِتَاب , حِين تَجْعَل الْأَغْلَال وَالسَّلَاسِل فِي أَعْنَاقهمْ فِي جَهَنَّم . وَقَرَأَتْ قِرَاءَة الْأَمْصَار : وَالسَّلَاسِل , بِرَفْعِهَا عَطْفًا بِهَا عَلَى الْأَغْلَال عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنْت . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ " وَالسَّلَاسِل يُسْحَبُونَ " بِنَصْبِ السَّلَاسِل فِي الْحَمِيم . وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّمَا هُوَ وَهُمْ فِي السَّلَاسِل يُسْحَبُونَ , وَلَا يُجِيز أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ خَفْض الِاسْم وَالْخَافِض مُضْمَر. وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول فِي ذَلِكَ : لَوْ أَنَّ مُتَوَهِّمًا قَالَ : إِنَّمَا الْمَعْنَى : إِذْ أَعْنَاقهمْ فِي الْأَغْلَال وَالسَّلَاسِل يُسْحَبُونَ . جَازَ الْخَفْض فِي السَّلَاسِل عَلَى هَذَا الْمَذْهَب , وَقَالَ : مِثْله , مِمَّا رُدَّ إِلَى الْمَعْنَى . قَوْل الشَّاعِر : قَدْ سَالَمَ الْحَيَّات مِنْهُ الْقَدَمَا الْأُفْعُوَان وَالشُّجَاع الْأَرْقَمَا فَنُصِبَ الشُّجَاع وَالْحَيَّات قَبْل ذَلِكَ مَرْفُوعَة , لِأَنَّ الْمَعْنَى : قَدْ سَالَمَتْ رِجْله الْحَيَّات وَسَالَمَتْهَا , فَلَمَّا اِحْتَاجَ إِلَى نَصْب الْقَافِيَة , جَعَلَ الْفِعْل مِنْ الْقَدَم وَاقِعًا عَلَى الْحَيَّات. وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , لِإِجْمَاع الْحُجَّة عَلَيْهِ , وَهُوَ رَفْع السَّلَاسِل عَطْفًا بِهَا عَلَى مَا فِي قَوْله : { فِي أَعْنَاقهمْ } مِنْ ذِكْر الْأَغْلَال .





وَقَوْله : { يُسْحَبُونَ } يَقُول : يُسْحَب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْكِتَابِ زَبَانِيَة الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحَمِيم , وَهُوَ مَا قَدْ اِنْتَهَى حَرّه , وَبَلَغَ غَايَته .