خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الزخرف تفسير القرطبي الآية 17
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ﰐ ﴿١٧﴾

سورة الزخرف تفسير القرطبي

قَوْله تَعَالَى " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا " أَيْ بِأَنَّهُ وُلِدَتْ لَهُ بِنْت " ظَلَّ وَجْهه " أَيْ صَارَ وَجْهه



" مُسْوَدًّا " قِيلَ بِبُطْلَانِ مَثَله الَّذِي ضَرَبَهُ . وَقِيلَ : بِمَا بُشِّرَ بِهِ مِنْ الْأُنْثَى ; دَلِيله فِي سُورَة النَّحْل : " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى " [ النَّحْل : 58 ] .



وَمِنْ حَالهمْ أَنَّ أَحَدهمْ إِذَا قِيلَ لَهُ قَدْ وُلِدَتْ لَهُ أُنْثَى اِغْتَمَّ وَارْبَدَّ وَجْهه غَيْظًا وَتَأَسُّفًا وَهُوَ مَمْلُوء مِنْ الْكَرْب .



وَعَنْ بَعْض الْعَرَب أَنَّ اِمْرَأَته وَضَعَتْ أُنْثَى فَهَجَرَ الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْمَرْأَة فَقَالَتْ : مَا لِأَبِي حَمْزَة لَا يَأْتِينَا يَظَلّ فِي الْبَيْت الَّذِي يَلِينَا غَضْبَان أَلَّا نَلِد الْبَنِينَا وَإِنَّمَا نَأْخُذ مَا أُعْطِينَا



وَقُرِئَ " مُسْوَدّ , وَمُسْوَادّ " . وَعَلَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة يَكُون وَجْهه اِسْم " ظَلَّ " و " مُسْوَدًّا " خَبَر " ظَلَّ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي " ظَلَّ " ضَمِير عَائِد عَلَى أَحَد وَهُوَ اِسْمهَا , و " وَجْهه " بَدَل مِنْ الضَّمِير , و " مُسْوَدًّا " خَبَر " ظَلَّ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون رُفِعَ " وَجْهه " بِالِابْتِدَاءِ وَيُرْفَع " مُسْوَدًّا " عَلَى أَنَّهُ خَبَره , وَفِي " ظَلَّ " اِسْمهَا وَالْجُمْلَة خَبَرهَا .



أَيْ حَزِين ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ مَكْرُوب ; قَالَهُ عِكْرِمَة وَقِيلَ سَاكِت ; قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم ; وَذَلِكَ لِفَسَادِ مَثَله وَبُطْلَان حُجَّته . وَمَنْ أَجَازَ أَنْ تَكُون الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه فَقَدْ جَعَلَ الْمَلَائِكَة شِبْهًا لِلَّهِ ; لِأَنَّ الْوَلَد مِنْ جِنْس الْوَالِد وَشِبْهه . وَمَنْ اِسْوَدَّ وَجْهه بِمَا يُضَاف إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَرْضَى , أَوْلَى مِنْ أَنْ يَسْوَدّ وَجْهه بِإِضَافَةِ مِثْل ذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ أَجَلّ مِنْهُ ; فَكَيْف إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ! وَقَدْ مَضَى فِي " النَّحْل " فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة مَا فِيهِ كِفَايَة .