خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الجاثية تفسير الطبري الآية 14
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ﰍ ﴿١٤﴾

سورة الجاثية تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَاتَّبَعُوك , يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَخَافُونَ بَأْس اللَّه وَوَقَائِعه وَنِقَمه إِذَا هُمْ نَالُوهُمْ بِالْأَذَى وَالْمَكْرُوه { لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يَقُول : لِيَجْزِيَ اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْآخِرَة , فَيُصِيبهُمْ عَذَابه بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْسِبُونَ مِنَ الْإِثْم , ثُمَّ بِأَذَاهُمْ أَهْل الْإِيمَان بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24119 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } قَالَ : كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِض عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا آذَوْهُ , وَكَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ , وَيَكْذِبُونَهُ , فَأَمَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقَاتِل الْمُشْرِكِينَ كَافَّة , فَكَانَ هَذَا مِنْ الْمَنْسُوخ. 24120 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : لَا يُبَالُونَ نِعَم اللَّه , أَوْ نِقَم اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : لَا يُبَالُونَ نِعَم اللَّه . وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِأَمْرِ اللَّه بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ , وَإِنَّمَا قُلْنَا : هِيَ مَنْسُوخَة لِإِجْمَاعِ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة فِي ذَلِكَ عَنْ ابْن عَبَّاس. 24121 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا مَا فِي الْأَنْفَال { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْب فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفهمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } 8 57 وَفِي بَرَاءَة { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة } 9 36 أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه . 24122 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } 9 5 24123 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : هَذَا مَنْسُوخ , أَمَرَ اللَّه بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة . 24124 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي صَالِح } قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي الْحَجّ { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } 22 39 24125 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , قَالَ : وَقَدْ نُسِخَ هَذَا وَفُرِضَ جِهَادهمْ وَالْغِلْظَة عَلَيْهِمْ . وَجَزَمَ قَوْله : { يَغْفِرُوا } تَشْبِيهًا لَهُ بِالْجَزَاءِ وَالشَّرْط وَلَيْسَ بِهِ , وَلَكِنْ لِظُهُورِهِ فِي الْكَلَام عَلَى مِثَاله , فَعَرَّبَ تَعْرِيبه , وَقَدْ مَضَى الْبَيَان عَنْهُ قَبْل . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لِيَجْزِيَ قَوْمًا } فَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة : { لِيَجْزِيَ } بِالْيَاءِ عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ اللَّه أَنَّهُ يَجْزِيهِمْ وَيُثِيبهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنَ اللَّه عَنْ نَفْسه , وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ " لِيُجْزَى قَوْمًا " عَلَى مَذْهَب مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَهُوَ عَلَى مَذْهَب كَلَام الْعَرَب لَحْن إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ : لِيَجْزِيَ الْجَزَاء قَوْمًا , بِإِضْمَارِ الْجَزَاء , وَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا " لِيَجْزِيَ " فَيَكُون وَجْهًا مِنَ الْقِرَاءَة , وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّ قِرَاءَته بِالْيَاءِ وَالنُّون عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ قِرَاءَة الْأَمْصَار جَائِزَة بِأَيِّ تَيْنِكَ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ , فَأَمَّا قِرَاءَته عَلَى مَا ذَكَرْت عَنْ أَبِي جَعْفَر , فَغَيْر جَائِزَة عِنْدِي لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ خِلَاف لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء , وَغَيْر جَائِز عِنْدِي خِلَاف مَا جَاءَتْ بِهِ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ , وَالثَّانِي بُعْدهَا مِنْ الصِّحَّة فِي الْعَرَبِيَّة إِلَّا عَلَى اسْتَكْرَاهِ الْكَلَام عَلَى غَيْر الْمَعْرُوف مِنْ وَجْهه .