أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ﰔ
﴿٢١﴾سورة الجاثية تفسير الطبري
وَقَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ ظَنَّ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات مِنْ الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا , وَكَذَّبُوا رُسُل اللَّه , وَخَالَفُوا أَمْر رَبّهمْ , وَعَبَدُوا غَيْره , أَنْ نَجْعَلهُمْ فِي الْآخِرَة , كَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رُسُله وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , فَأَطَاعُوا اللَّه , وَأَخْلَصُوا لَهُ الْعِبَادَة دُون مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , كَلَّا مَا كَانَ اللَّه لِيَفْعَل ذَلِكَ , لَقَدْ مَيَّزَ بَيْن الْفَرِيقَيْنِ , فَجَعَلَ حِزْب الْإِيمَان فِي الْجَنَّة , وَحِزْب الْكُفْر فِي السَّعِير . كَمَا : 24130 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات } . .. الْآيَة , لَعَمْرِي لَقَدْ تَفَرَّقَ الْقَوْم فِي الدُّنْيَا , وَتَفَرَّقُوا عِنْد الْمَوْت , فَتَبَايَنُوا فِي الْمَصِير .
وَقَوْله : { سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { سَوَاء } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة " سَوَاء " بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنَّ الْخَبَر مُتَنَاهٍ عِنْدهمْ عِنْد قَوْله : { كَالَّذِينَ آمَنُوا } وَجَعَلُوا خَبَر قَوْله : { أَنْ نَجْعَلهُمْ } قَوْله : { كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } , ثُمَّ ابْتَدَءُوا الْخَبَر عَنْ اسْتِوَاء حَال مَحْيَا الْمُؤْمِن وَمَمَاته , وَمَحْيَا الْكَافِر وَمَمَاته , فَرَفَعُوا قَوْله : " سَوَاء " عَلَى وَجْه الِابْتِدَاء بِهَذَا الْمَعْنَى , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَّهَ تَأْوِيل ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24131 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " قَالَ : الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مُؤْمِن , وَالْكَافِر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَافِر . 24132 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حُسَيْن , عَنْ شَيْبَان , عَنْ لَيْث , فِي قَوْله : " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " قَالَ : بُعِثَ الْمُؤْمِن مُؤْمِنًا حَيًّا وَمَيِّتًا , وَالْكَافِر كَافِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا . وَقَدْ يَحْتَمِل الْكَلَام إِذَا قُرِئَ سَوَاء رَفْعًا وَجْهًا آخَر غَيْر هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد وَلَيْث , وَهُوَ أَنْ يُوَجَّه إِلَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ وَالْمُؤْمِنِينَ سَوَاء فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت , بِمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَا يَسْتَوُونَ , ثُمَّ يُرْفَع سَوَاء عَلَى هَذَا الْمَعْنَى , إِذْ كَانَ لَا يَنْصَرِف , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِرَجُلٍ خَيْر مِنْك أَبُوهُ , وَحَسْبك أَخُوهُ , فَرَفَعَ حَسْبك , وَخَيْر إِذْ كَانَا فِي مَذْهَب الْأَسْمَاء , وَلَوْ وَقَعَ مَوْقِعهمَا فِعْل فِي لَفْظ اسْم لَمْ يَكُنْ إِلَّا نَصْبًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : " سَوَاء " , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { سَوَاء } نَصْبًا , بِمَعْنَى : أَحَسِبُوا أَنْ نَجْعَلهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَهْل الْعِلْم بِالْقُرْآنِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب قَوْله : { سَوَاء } وَرَفْعه , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " رَفْع , وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْمَحْيَا وَالْمَمَات لِلْكُفَّارِ كُلّه , قَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } ثُمَّ قَالَ : سَوَاء مَحْيَا الْكُفَّار وَمَمَاتهمْ : أَيْ مَحْيَاهُمْ مَحْيَا سَوَاء , وَمَمَاتهمْ مَمَات سَوَاء , فَرَفَعَ السَّوَاء عَلَى الِابْتِدَاء . قَالَ : وَمَنْ فَسَّرَ الْمَحْيَا وَالْمَمَات لِلْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ يَجُوز فِي هَذَا الْمَعْنَى نَصْب السَّوَاء وَرَفْعه ; لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ السَّوَاء مُسْتَوِيًا , فَيَنْبَغِي لَهُ فِي الْقِيَاس أَنْ يُجْرِيه عَلَى مَا قَبْله ; لِأَنَّهُ صِفَة , وَمَنْ جَعَلَهُ الِاسْتِوَاء , فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعهُ لِأَنَّهُ اسْم , إِلَّا أَنْ يَنْصِب الْمَحْيَا وَالْمَمَات عَلَى الْبَدَل , وَيَنْصِب السَّوَاء عَلَى الِاسْتِوَاء , وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ السَّوَاء إِذَا كَانَ فِي مَعْنَى مُسْتَوٍ , كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ خَيْر مِنْك أَبُوهُ ; لِأَنَّهُ صِفَة لَا يُصْرَف وَالرَّفْع أَجْوَد , وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة قَوْله : { سَوَاء مَحْيَاهُمْ } بِنَصْبِ سَوَاء وَبِرَفْعِهِ , وَالْمَحْيَا وَالْمَمَات فِي مَوْضِع رَفْع بِمَنْزِلَةِ , قَوْله : رَأَيْت الْقَوْم سَوَاء صِغَارهمْ وَكِبَارهمْ بِنَصْبِ سَوَاء لِأَنَّهُ يَجْعَلهُ فِعْلًا لِمَا عَادَ عَلَى النَّاس مِنْ ذِكْرهمْ , قَالَ : وَرُبَّمَا جَعَلَتِ الْعَرَب سَوَاء فِي مَذْهَب اسْم بِمَنْزِلَةِ حَسْبك , فَيَقُولُونَ : رَأَيْت قَوْمك سَوَاء صِغَارهمْ وَكِبَارهمْ . فَيَكُون كَقَوْلِك : مَرَرْت بِرَجُلٍ حَسْبك أَبُوهُ , قَالَ : وَلَوْ جُعِلَتْ مَكَان سَوَاء مُسْتَوٍ لَمْ يُرْفَع , وَلَكِنْ نَجْعَلهُ مُتَّبِعًا لِمَا قَبْله , مُخَالِفًا لِسَوَاءٍ ; لِأَنَّ مُسْتَوٍ مِنْ صِفَة الْقَوْم ; وَلِأَنَّ سَوَاء كَالْمَصْدَرِ , وَالْمَصْدَر اسْم . قَالَ : وَلَوْ نَصَبْت الْمَحْيَا وَالْمَمَات كَانَ وَجْهًا , يُرِيد أَنْ نَجْعَلهُمْ سَوَاء فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : الْمَعْنَى : أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مَنْ اجْتَرَحَ السَّيِّئَات الْمُؤْمِن فِي الْحَيَاة , وَلَا الْمَمَات , عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الْخَبَر , فَكَانَ خَبَرًا لِجَعَلْنَا , قَالَ : وَالنَّصْب لِلْأَخْبَارِ كَمَا تَقُول : جَعَلْت إِخْوَتك سَوَاء , صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ , وَيَجُوز أَنْ يُرْفَع ; لِأَنَّ سَوَاء لَا يَنْصَرِف . وَقَالَ : مَنْ قَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } فَجَعَلَ كَالَّذِينَ الْخَبَر اسْتَأْنَفَ بِسَوَاءٍ وَرَفَعَ مَا بَعْدهَا , وَإِنْ نَصَبَ الْمَحْيَا وَالْمَمَات نَصَبَ سَوَاء لَا غَيْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا الصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ .
وَقَوْله : { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الْحُكْم الَّذِي حَسِبُوا أَنَّا نَجْعَل الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ .