وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ﰃ
﴿٤﴾سورة الجاثية تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَفِي خَلْقكُمْ وَمَا يَبُثّ مِنْ دَابَّة آيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَفِي خَلْق اللَّه إِيَّاكُمْ أَيّهَا النَّاس , وَخَلْقه مَا تَفَرَّقَ فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة تَدِبّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْر جِنْسكُمْ { آيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يَعْنِي : حُجَجًا وَأَدِلَّة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بِحَقَائِق الْأَشْيَاء , فَيُقِرُّونَ بِهَا , وَيَعْلَمُونَ صِحَّتهَا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { آيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وَفِي الَّتِي بَعْد ذَلِكَ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة { آيَات } رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَتَرَكَ رَدَّهَا عَلَى قَوْله : { لَآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ } , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة " آيَات " خَفْضًا بِتَأْوِيلِ النَّصْب رَدًّا عَلَى قَوْله : { لَآيَات لِلْمُؤْمِنِينَ } . وَزَعَمَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُمْ اخْتَارُوا قِرَاءَته كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فِي قِرَاءَة أُبَيّ فِي الْآيَات الثَّلَاثَة " لَآيَات " بِاللَّامِ فَجَعَلُوا دُخُول اللَّام فِي ذَلِكَ فِي قِرَاءَته دَلِيلًا لَهُمْ عَلَى صِحَّة قِرَاءَة جَمِيعه بِالْخَفْضِ , وَلَيْسَ الَّذِي اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ مِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ بِحُجَّةٍ ; لِأَنَّ لَا رِوَايَة بِذَلِكَ عَنْ أُبَيّ صَحِيحَة , وَأُبَيّ لَوْ صَحَّتْ بِهِ عَنْهُ رِوَايَة , ثُمَّ لَمْ يَعْلَم كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَته بِالْخَفْضِ أَوْ بِالرَّفْعِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ خَفْضًا , بِأَوْلَى مِنَ الْحُكْم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأهُ رَفْعًا , إِذْ كَانَتِ الْعَرَب قَدْ تُدْخِل اللَّام فِي خَبَر الْمَعْطُوف عَلَى جُمْلَة كَلَام تَامّ قَدْ عَمِلَتْ فِي ابْتِدَائِهَا " إِنَّ " , مَعَ ابْتِدَائِهِمْ إِيَّاهُ , كَمَا قَالَ حُمَيْد بْن ثَوْر الْهِلَالِيّ : إِنَّ الْخِلَافَة بَعْدهمْ لَذَمِيمَة وَخَلَائِف طُرُف لَمَمَّا أَحْقَر فَأَدْخَلَ اللَّام فِي خَبَر مُبْتَدَأ بَعْد جُمْلَة خَبَر قَدْ عَمِلَتْ فِيهِ " إِنَّ " إِذْ كَانَ الْكَلَام , وَإِنْ ابْتُدِئَ مَنْوِيًّا فِيهِ إِنَّ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ الْخَفْض فِي هَذِهِ الْأَحْرُف وَالرَّفْع قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار قَدْ قَرَأَ بِهِمَا عُلَمَاء مِنَ الْقُرَّاء صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .