فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ﰑ
﴿١٨﴾سورة محمد تفسير القرطبي
أَيْ فَجْأَة . وَهَذَا وَعِيد لِلْكُفَّارِ . " أَنْ تَأْتِيهُمْ بَغْتَة " " أَنْ " بَدَل اِشْتِمَال مِنْ " السَّاعَة " , نَحْو قَوْله : " أَنْ تَطَئُوهُمْ " [ الْفَتْح : 25 ] مِنْ قَوْله : " رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات " [ الْفَتْح : 25 ] . وَقُرِئَ " بَغَتَّة " بِوَزْنِ جَرَبَّة , وَهِيَ غَرِيبَة لَمْ تَرِد فِي الْمَصَادِر أُخْتهَا , وَهِيَ مَرْوِيَّة عَنْ أَبِي عَمْرو . الزَّمَخْشَرِيّ وَمَا أَخْوَفنِي أَنْ تَكُون غَلْطَة مِنْ الرَّاوِي عَنْ أَبِي عَمْرو , وَأَنْ يَكُون الصَّوَاب " بَغَتَة " بِفَتْحِ الْغَيْن مِنْ غَيْر تَشْدِيد , كَقِرَاءَةِ الْحَسَن . وَرَوَى أَبُو جَعْفَر الرُّؤَاسِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل مَكَّة " إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَة " . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ قَرَأَ " إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَة " كَانَ الْوَقْف عَلَى " السَّاعَة " ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ الشَّرْط . وَمَا يَحْتَمِلهُ الْكَلَام مِنْ الشَّكّ مَرْدُود إِلَى الْخَلْق , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَكُّوا فِي مَجِيئِهَا " فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطهَا " .
أَيْ أَمَارَاتهَا وَعَلَامَاتهَا . وَكَانُوا قَدْ قَرَءُوا فِي كُتُبهمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِر الْأَنْبِيَاء , فَبَعْثه مِنْ أَشْرَاطهَا وَأَدِلَّتهَا , قَالَهُ الضَّحَّاك وَالْحَسَن . وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ] وَضَمَّ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى , لَفْظ مُسْلِم , وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ . وَيُرْوَى [ بُعِثْت وَالسَّاعَة كَفَرَسَيْ رِهَان ] . وَقِيلَ : أَشْرَاط السَّاعَة أَسْبَابهَا الَّتِي هِيَ دُون مُعْظَمهَا . وَمِنْهُ يُقَال لِلدُّونِ مِنْ النَّاس : الشَّرَط . وَقِيلَ : يَعْنِي عَلَامَات السَّاعَة اِنْشِقَاق الْقَمَر وَالدُّخَان , قَالَهُ الْحَسَن أَيْضًا . وَعَنْ الْكَلْبِيّ : كَثْرَة الْمَال وَالتِّجَارَة وَشَهَادَة الزُّور وَقَطْع الْأَرْحَام , وَقِلَّة الْكِرَام وَكَثْرَة اللِّئَام . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَوَاحِد الْأَشْرَاط شَرَط , وَأَصْله الْأَعْلَام . وَمِنْهُ قِيلَ الشُّرَط ; لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَة يُعْرَفُونَ بِهَا . وَمِنْهُ الشَّرْط فِي الْبَيْع وَغَيْره . قَالَ أَبُو الْأَسْوَد : فَإِنْ كُنْت قَدْ أَزْمَعْت بِالصُّرْم بَيْننَا فَقَدْ جَعَلْت أَشْرَاط أَوَّله تَبْدُو وَيُقَال : أَشْرَطَ فُلَان نَفْسه فِي عَمَل كَذَا أَيْ أَعْلَمَهَا وَجَعَلَهَا لَهُ . قَالَ أَوْس بْن حَجَر يَصِف رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ مِنْ رَأْس جَبَل إِلَى نَبْعَة يَقْطَعهَا لِيَتَّخِذ مِنْهَا قَوْسًا : فَأَشْرَطَ نَفْسه فِيهَا وَهُوَ مُعْصِم وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
" ذِكْرَاهُمْ " اِبْتِدَاء وَ " أَنَّى لَهُمْ " الْخَبَر . وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي " جَاءَتْهُمْ " لِلسَّاعَةِ , التَّقْدِير : فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ التَّذَكُّر إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة , قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقِيلَ : فَكَيْف لَهُمْ بِالنَّجَاةِ إِذَا جَاءَتْهُمْ الذِّكْرَى عِنْد مَجِيء السَّاعَة , قَالَهُ اِبْن زَيْد .
وَفِي الذِّكْرَى وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : تَذْكِيرهمْ بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ . الثَّانِي : هُوَ دُعَاؤُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ تَبْشِيرًا وَتَخْوِيفًا , رَوَى أَبَان عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ أَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ فَإِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة يَا فُلَان قُمْ إِلَى نُورك يَا فُلَان قُمْ لَا نُور لَك ] ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .