إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ﰘ
﴿٢٥﴾سورة محمد تفسير القرطبي
قَالَ قَتَادَة : هُمْ كُفَّار أَهْل الْكِتَاب , كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا عَرَفُوا نَعْته عِنْدهمْ , قَالَهُ اِبْن جُرَيْج . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ , قَعَدُوا عَنْ الْقِتَال بَعْدَمَا عَلِمُوهُ فِي الْقُرْآن .
أَيْ زَيَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ , قَالَهُ الْحَسَن .
أَيْ مَدَّ لَهُمْ الشَّيْطَان فِي الْأَمَل وَوَعَدَهُمْ طُول الْعُمُر , عَنْ الْحَسَن أَيْضًا . وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي أَمْلَى لَهُمْ فِي الْأَمَل وَمَدَّ فِي آجَالهمْ هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , قَالَهُ الْفَرَّاء وَالْمُفَضَّل . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل : إِنَّ مَعْنَى " أَمْلَى لَهُمْ " أَمْهَلَهُمْ , فَعَلَى هَذَا يَكُون اللَّه تَعَالَى أَمْلَى لَهُمْ بِالْإِمْهَالِ فِي عَذَابهمْ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن إِسْحَاق وَعِيسَى بْن عَمْرو أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة " وَأُمْلِيَ لَهُمْ " بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر اللَّام وَفَتْح الْيَاء , عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَكَذَلِكَ قَرَأَ اِبْن هُرْمُز وَمُجَاهِد وَالْجَحْدَرِيّ وَيَعْقُوب , إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْيَاء عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نَفْسه أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَأَنَا أُمْلِي لَهُمْ . وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم , قَالَ : لِأَنَّ فَتْح الْهَمْزَة يُوهِم أَنَّ الشَّيْطَان يُمْلِي لَهُمْ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , فَلِهَذَا عَدَلَ إِلَى الضَّمّ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ قَرَأَ " وَأَمْلَى لَهُمْ " فَالْفَاعِل اِسْم اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ الشَّيْطَان . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد قِرَاءَة الْعَامَّة , قَالَ : لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُوم , لِقَوْلِهِ : " لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ " [ الْفَتْح : 9 ] رَدَّ التَّسْبِيح عَلَى اِسْم اللَّه , وَالتَّوْقِير وَالتَّعْزِير عَلَى اِسْم الرَّسُول .