خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة محمد تفسير القرطبي الآية 35
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ﰢ ﴿٣٥﴾

سورة محمد تفسير القرطبي

أَيْ تَضْعُفُوا عَنْ الْقِتَال . وَالْوَهْن : الضَّعْف وَقَدْ وَهَنَ الْإِنْسَان وَوَهَنَهُ غَيْره , يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى . قَالَ : إِنَّنِي لَسْت بِمَوْهُونٍ فَقِرْ وَوَهِنَ أَيْضًا ( بِالْكَسْرِ ) وَهْنًا أَيْ ضَعُفَ , وَقُرِئَ " فَمَا وَهِنُوا " بِضَمِّ الْهَاء وَكَسْرهَا . وَقَدْ مَضَى فِي ( آل عِمْرَان ) .



أَيْ الصُّلْح .



أَيْ وَأَنْتُمْ أَعْلَم بِاَللَّهِ مِنْهُمْ . وَقِيلَ : وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ فِي الْحُجَّة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَأَنْتُمْ الْغَالِبُونَ لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي الظَّاهِر فِي بَعْض الْأَحْوَال . وَقَالَ قَتَادَة : لَا تَكُونُوا أَوَّل الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إِلَى صَاحِبَتهَا .



وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْمهَا , فَقِيلَ : إِنَّهَا نَاسِخَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " [ الْأَنْفَال : 61 ] ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مَنَعَ مِنْ الْمَيْل إِلَى الصُّلْح إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَة إِلَى الصُّلْح . وَقِيلَ : مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " . وَقِيلَ : هِيَ مُحْكَمَة . وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحَال . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله : " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " مَخْصُوص فِي قَوْم بِأَعْيَانِهِمْ , وَالْأُخْرَى عَامَّة . فَلَا يَجُوز مُهَادَنَة الْكُفَّار إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة , وَذَلِكَ إِذَا عَجَزْنَا عَنْ مُقَاوَمَتهمْ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى .



أَيْ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَة , مِثْل : " وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " [ الْعَنْكَبُوت : 69 ]



أَيْ لَنْ يُنْقِصكُمْ , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَمِنْهُ الْمَوْتُور الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَلَمْ يُدْرَك بِدَمِهِ , تَقُول مِنْهُ : وَتَرَهُ يَتِرهُ وَتْرًا وَتِرَة . وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : [ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْله وَمَاله ] أَيْ ذَهَبَ بِهِمَا . وَكَذَلِكَ وَتَرَهُ حَقّه أَيْ نَقَصَهُ . وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ " أَيْ لَنْ يَنْتَقِصكُمْ فِي أَعْمَالكُمْ , كَمَا تَقُول : دَخَلْت الْبَيْت , وَأَنْتَ تُرِيد فِي الْبَيْت , قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . الْفَرَّاء : " وَلَنْ يَتِركُمْ " هُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْوَتْر وَهُوَ الْفَرْد , فَكَانَ الْمَعْنَى : وَلَنْ يُفْرِدكُمْ بِغَيْرِ ثَوَاب .