وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ﰓ
﴿٢٠﴾سورة الفتح تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِأَهْلِ بَيْعَة الرِّضْوَان : { وَعَدَكُمْ اللَّه } أَيّهَا الْقَوْم { مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذِهِ الْمَغَانِم الَّتِي ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ وَعَدَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَيْ الْمَغَانِم هِيَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ كُلّ مَغْنَم غَنَّمَهَا اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَمْوَال أَهْل الشِّرْك مِنْ لَدُنْ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى لِسَان نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24406 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا } قَالَ : الْمَغَانِم الْكَثِيرَة الَّتِي وُعِدُوا : مَا يَأْخُذُونَهَا إِلَى الْيَوْم . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَحْتَمِل الْكَلَام أَنْ يَكُون مُرَادًا بِالْمَغَانِمِ الثَّانِيَة الْمَغَانِم الْأُولَى , وَيَكُون مَعْنَاهُ عِنْد ذَلِكَ , فَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا , وَمَغَانِم كَثِيرَة يَأْخُذُونَهَا , وَعَدَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْقَوْم هَذِهِ الْمَغَانِم الَّتِي تَأْخُذُونَهَا , وَأَنْتُمْ إِلَيْهَا وَاصِلُونَ عِدَّة , فَجَعَلَ لَكُمْ الْفَتْح الْقَرِيب مِنْ فَتْح خَيْبَر . وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الثَّانِيَة غَيْر الْأُولَى , وَتَكُون الْأُولَى مِنْ غَنَائِم خَيْبَر , وَالْغَنَائِم الثَّانِيَة الَّتِي وَعَدَهُمُوهَا مِنْ غَنَائِم سَائِر أَهْل الشِّرْك سِوَاهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْمَغَانِم الَّتِي وَعَدَ اللَّه هَؤُلَاءِ الْقَوْم هِيَ مَغَانِم خَيْبَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24407 - يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا } قَالَ : يَوْم خَيْبَر , قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول ذَلِكَ .
وَقَوْله : { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّتِي عُجِّلَتْ لَهُمْ , فَقَالَ جَمَاعَة : غَنَائِم خَيْبَر وَالْمُؤَخَّرَة سَائِر فُتُوح الْمُسْلِمِينَ بَعْد ذَلِكَ الْوَقْت إِلَى قِيَام السَّاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24408 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } قَالَ : عَجَّلَ لَكُمْ خَيْبَر . 24409 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } وَهِيَ خَيْبَر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن قُرَيْش . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24410 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } قَالَ : الصُّلْح . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ مُجَاهِد , وَهُوَ أَنَّ الَّذِي أَثَابَهُمْ اللَّه مِنْ مَسِيرهمْ ذَلِكَ مَعَ الْفَتْح الْقَرِيب الْمَغَانِم الْكَثِيرَة مِنْ مَغَانِم خَيْبَر , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَغْنَمُوا بَعْد الْحُدَيْبِيَة غَنِيمَة , وَلَمْ يَفْتَحُوا فَتْحًا أَقْرَب مِنْ بَيْعَتهمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ فَتْح خَيْبَر وَغَنَائِمهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة } فَهِيَ سَائِر الْمَغَانِم الَّتِي غَنَّمَهُمُوهَا اللَّه بَعْد خَيْبَر , كَغَنَائِم هَوَازِن , وَغَطَفَان , وَفَارِس , وَالرُّوم . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ دُون غَنَائِم خَيْبَر ; لِأَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ عَجَّلَ لَهُمْ هَذِهِ الَّتِي أَثَابَهُمْ مِنْ مَسِيرهمْ الَّذِي سَارُوهُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة , وَلِمَا عَلِمَ مِنْ صِحَّة نِيَّتهمْ فِي قِتَال أَهْلهَا , إِذْ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عَنْهُ , وَلَا شَكّ أَنَّ الَّتِي عُجِّلَتْ لَهُمْ غَيْر الَّتِي لَمْ تُعَجَّل لَهُمْ .
وَقَوْله : { وَكَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِأَهْلِ بَيْعَة الرِّضْوَان : وَكَفَّ اللَّه أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ عَنْكُمْ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ كُفَّتْ أَيْدِيهمْ عَنْهُمْ مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ الْيَهُود كَفَّ اللَّه أَيْدِيهمْ عَنْ عِيَال الَّذِينَ سَارُوا مِنْ الْمَدِينَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24411 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَكَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } : عَنْ بُيُوتهمْ , وَعَنْ عِيَالهمْ بِالْمَدِينَةِ حِين سَارُوا إِلَى الْحُدَيْبِيَة وَإِلَى خَيْبَر , وَكَانَتْ خَيْبَر فِي ذَلِكَ الْوَجْه . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَكَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } قَالَ : كَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْ عِيَالهمْ بِالْمَدِينَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَيْدِي قُرَيْش إِذْ حَبَسَهُمْ اللَّه عَنْهُمْ , فَلَمْ يَقْدِرُوهُ عَلَى مَكْرُوه . وَاَلَّذِي قَالَهُ قَتَادَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة , وَذَلِكَ أَنَّ كَفّ اللَّه أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة عَنْ أَهْل الْحُدَيْبِيَة قَدْ ذَكَرَهُ اللَّه بَعْد هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْله : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة } 48 24 . فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكَفّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله : { وَكَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } غَيْر الْكَفّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه بَعْد هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْله : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ , وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة } .
وَقَوْله : { وَلِتَكُونَ آيَة لِلْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَلِيَكُونَ كَفّه تَعَالَى ذِكْره أَيْدِيهمْ عَنْ عِيَالهمْ آيَة وَعِبْرَة لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ فَيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه هُوَ الْمُتَوَلِّي حِيَاطَتهمْ وَكِلَاءَتهمْ فِي مَشْهَدهمْ وَمَغِيبهمْ , وَيَتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ وَأَهْلِيهِمْ بِالْحِفْظِ وَحُسْن الْوِلَايَة مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى طَاعَته , مُنْتَهِينَ إِلَى أَمْره وَنَهْيه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24412 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلِتَكُونَ آيَة لِلْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَذَلِكَ آيَة لِلْمُؤْمِنِينَ , كَفَّ أَيْدِي النَّاس عَنْ عِيَالهمْ
{ وَيَهْدِيكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } يَقُول : وَيُسَدِّدكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ طَرِيقًا وَاضِحًا لَا اِعْوِجَاج فِيهِ , فَيُبَيِّنهُ لَكُمْ , وَهُوَ أَنْ تَثِقُوا فِي أُمُوركُمْ كُلّهَا بِرَبِّكُمْ , فَتَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيعهَا , لِيُحَوِّطكُمْ حِيَاطَته إِيَّاكُمْ فِي مَسِيركُمْ إِلَى مَكَّة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَمْوَالكُمْ , فَقَدْ رَأَيْتُمْ أَثَر فِعْل اللَّه بِكُمْ , إِذْ وَثِقْتُمْ فِي مَسِيركُمْ هَذَا .