وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ﰆ
﴿٧﴾سورة الحجرات تفسير القرطبي
فَلَا تُكَذِّبُوا , فَإِنَّ اللَّه يُعْلِمهُ أَنْبَاءَكُمْ فَتَفْتَضِحُونَ .
أَيْ لَوْ تَسَارَعَ إِلَى مَا أَرَدْتُمْ قَبْل وُضُوح الْأَمْر لَنَالَكُمْ مَشَقَّة وَإِثْم , فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْقَوْم الَّذِينَ سَعَى بِهِمْ الْوَلِيد بْن عُقْبَة إِلَيْهِ لَكَانَ خَطَأ , وَلَعَنِتَ مَنْ أَرَادَ إِيقَاع الْهَلَاك بِأُولَئِكَ الْقَوْم لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهمْ .
وَمَعْنَى طَاعَة الرَّسُول لَهُمْ : الِائْتِمَار بِمَا يَأْمُر بِهِ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنْ النَّاس وَالسَّمَاع مِنْهُمْ . وَالْعَنَت الْإِثْم , يُقَال : عَنِتَ الرَّجُل . وَالْعَنَت أَيْضًا الْفُجُور وَالزِّنَى , كَمَا فِي سُورَة " النِّسَاء " . وَالْعَنَت أَيْضًا الْوُقُوع فِي أَمْر شَاقّ , وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " التَّوْبَة " الْقَوْل فِي " عَنِتُّمْ " [ التَّوْبَة : 128 ] بِأَكْثَر مِنْ هَذَا .
هَذَا خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ لَا يُكَذِّبُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُخْبِرُونَ بِالْبَاطِلِ , أَيْ جَعَلَ الْإِيمَان أَحَبّ الْأَدْيَان إِلَيْكُمْ .
" وَزَيَّنَهُ " بِتَوْفِيقِهِ . " فِي قُلُوبكُمْ " أَيْ حَسَّنَهُ إِلَيْكُمْ حَتَّى اِخْتَرْتُمُوهُ . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَالْإِمَامِيَّة وَغَيْرهمْ , حَسَب مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع . فَهُوَ سُبْحَانه الْمُنْفَرِد بِخَلْقِ ذَوَات الْخَلْق وَخَلْق أَفْعَالهمْ وَصِفَاتهمْ وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتهمْ وَأَلْوَانهمْ , لَا شَرِيك لَهُ .
قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد بِهِ الْكَذِب خَاصَّة . وَقَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : كُلّ مَا خَرَّجَ عَنْ الطَّاعَة , مُشْتَقّ مِنْ فَسَقَتْ الرُّطَبَة خَرَجَتْ مِنْ قِشْرهَا . وَالْفَأْرَة مِنْ جُحْرهَا . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِيهِ مُسْتَوْفًى . وَالْعِصْيَان جَمْع الْمَعَاصِي .
ثُمَّ اِنْتَقَلَ مِنْ الْخِطَاب إِلَى الْخَبَر فَقَالَ : " أُولَئِكَ " يَعْنِي هُمْ الَّذِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّه فَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ الْإِيمَان وَكَرَّهَ إِلَيْهِمْ الْكُفْر أَيْ قَبَّحَهُ عِنْدهمْ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْه اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ " [ الرُّوم : 39 ] . قَالَ النَّابِغَة : يَا دَار مَيَّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَد أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِف الْأَمَد وَالرُّشْد الِاسْتِقَامَة عَلَى طَرِيق الْحَقّ مَعَ تَصَلُّب فِيهِ , مِنْ الرَّشَاد وَهِيَ الصَّخْرَة . قَالَ أَبُو الْوَازِع : كُلّ صَخْرَة رَشَادَة . وَأَنْشَدَ : وَغَيْر مُقَلَّد وَمُوَشَّمَات صَلِينَ الضَّوْء مِنْ صُمّ الرَّشَاد