إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﰡ
﴿٣٤﴾سورة المائدة تفسير القرطبي
اِسْتَثْنَى جَلَّ وَعَزَّ التَّائِبِينَ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِمْ , وَأَخْبَرَ بِسُقُوطِ حَقّه عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : " فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " . أَمَّا الْقِصَاص وَحُقُوق الْآدَمِيِّينَ فَلَا تَسْقُط , وَمَنْ تَابَ بَعْد الْقُدْرَة فَظَاهِر الْآيَة أَنَّ التَّوْبَة لَا تَنْفَع , وَتُقَام الْحُدُود عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل إِنَّهُ يَسْقُط كُلّ حَدّ بِالتَّوْبَةِ , وَالصَّحِيح مِنْ مَذْهَبه أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقّ الْآدَمِيّ قِصَاصًا كَانَ أَوْ غَيْره فَإِنَّهُ لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِ , وَقِيلَ : أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُشْرِك إِذَا تَابَ وَآمَنَ قَبْل الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تَسْقُط عَنْهُ الْحُدُود ; وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّهُ إِنْ آمَنَ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَمْ يُقْتَل أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ , وَقِيلَ : إِنَّمَا لَا يُسْقَط الْحَدّ عَنْ الْمُحَارِبِينَ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِمْ - وَاللَّه أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ بِالْكَذِبِ فِي تَوْبَتهمْ وَالتَّصَنُّع فِيهَا إِذَا نَالَتْهُمْ يَد الْإِمَام , أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا قُدِرَ عَلَيْهِمْ صَارُوا بِمَعْرِضٍ أَنْ يُنَكَّل بِهِمْ فَلَمْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ ; كَالْمُتَلَبِّسِ بِالْعَذَابِ مِنْ الْأُمَم قَبْلنَا , أَوْ مَنْ صَارَ إِلَى حَال الْغَرْغَرَة فَتَابَ ; فَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ تَوْبَتُهُمْ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِمْ , فَلَا تُهْمَة وَهِيَ نَافِعَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " يُونُس " ; فَأَمَّا الشُّرَّاب وَالزُّنَاة وَالسُّرَّاق إِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ , ثُمَّ رُفِعُوا إِلَى الْإِمَام فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُدّهُمْ , وَإِنْ رُفِعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا تُبْنَا لَمْ يُتْرَكُوا , وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَال كَالْمُحَارِبِينَ إِذَا غُلِبُوا , وَاللَّه أَعْلَمُ .