يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ﰋ
﴿١٢﴾سورة الحديد تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يَسْعَى نُورهمْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { يَوْم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يَسْعَى نُورهمْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَوْم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يُضِيء نُورهمْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26024 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَوْم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه كَانَ يَقُول : " وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيء نُوره مِنْ الْمَدِينَة إِلَى عَدَن أَبْيَن فَصَنْعَاء فَدُون ذَلِكَ , حَتَّى إِنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُضِيء نُوره إِلَّا مَوْضِع قَدَمَيْهِ " . * حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . 26025 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَذْكُر عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ عَمْرو , عَنْ قَيْس بْن سَكَن , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : يُؤْتَوْنَ نُورهمْ عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالنَّخْلَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى نُوره كَالرَّجُلِ الْقَائِم , وَأَدْنَاهُمْ نُورًا عَلَى إِبْهَامه يُطْفَأ مَرَّة وَيُقَاد مَرَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : يَوْم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يَسْعَى إِيمَانهمْ وَهُدَاهُمْ بَيْن أَيْدِيهمْ , وَبِأَيْمَانِهِمْ : كُتُبهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26026 - حُدِّثْنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَسْعَى نُورهمْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } : كُتُبهمْ , يَقُول اللَّه : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ , وَأَمَّا نُورهمْ فَهُدَاهُمْ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الضَّحَّاك , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَنَى بِذَلِكَ النُّور الضَّوْء الْمَعْرُوف , لَمْ يَخُصّ عَنْهُ الْخَبَر بِالسَّعْيِ بَيْن الْأَيْدِي وَالْأَيْمَان دُون الشَّمَائِل , لِأَنَّ ضِيَاء الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يُؤْتَوْنَهُ فِي الْآخِرَة يُضِيء لَهُمْ جَمِيع مَا حَوْلهمْ , وَفِي خُصُوص اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْ سَعْيه بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ دُون الشَّمَائِل , مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِىّ بِهِ غَيْر الضِّيَاء , وَإِنْ كَانُوا لَا يَخْلُونَ مِنْ الضِّيَاء . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى يَوْم تَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يَسْعَى ثَوَاب إِيمَانهمْ وَعَمَلهمْ الصَّالِح بَيْن أَيْدِيهمْ , وَفِي أَيْمَانهمْ كُتُب أَعْمَالهمْ تَتَطَايَر . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يَسْعَى } يَمْضِي , وَالْبَاء فِي قَوْله : { وَبِأَيْمَانِهِمْ } بِمَعْنَى فِي . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : الْبَاء فِي قَوْله : { وَبِأَيْمَانِهِمْ } بِمَعْنَى عَلَى أَيْمَانهمْ . وَقَوْله : { يَوْم تَرَى } مِنْ صِلَة وَعْد .
وَقَوْله : { بُشْرَاكُمْ الْيَوْم جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره يُقَال لَهُمْ : بِشَارَتكُمْ الْيَوْم أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّتِي تُبْشِرُونَ بِهَا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار , فَأَبْشِرُوا بِهَا .
وَقَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : مَاكِثِينَ فِي الْجَنَّات , لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهَا وَلَا يَتَحَوَّلُونَ .
وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم } يَقُول : خُلُودهمْ فِي الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا هُوَ النَّجَاح الْعَظِيم الَّذِي كَانُوا يَطْلُبُونَهُ بَعْد النَّجَاة مِنْ عِقَاب اللَّه , وَدُخُول الْجَنَّة خَالِدِينَ فِيهَا .