ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ﰁ
﴿٢﴾سورة المجادلة تفسير القرطبي
فِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَة : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ يُظْهِرُونَ " قَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف " يَظَّاهَرُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الظَّاء وَأَلِف . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب " يَظَّهَّرُونَ " بِحَذْفِ الْأَلِف وَتَشْدِيد الْهَاء وَالظَّاء وَفَتْح الْيَاء . وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَعَاصِم وَزِرّ بْن حُبَيْش " يُظَاهِرُونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَتَخْفِيف الظَّاء وَأَلِف وَكَسْر الْهَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْأَحْزَاب " . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ " يَتَظَاهَرُونَ " وَهِيَ مَعْنَى قِرَاءَة اِبْن عَامِر وَحَمْزَة . وَذَكَرَ الظُّهْر كِنَايَة عَنْ مَعْنَى الرُّكُوب , وَالْآدَمِيَّة إِنَّمَا يُرْكَب بَطْنهَا وَلَكِنْ كَنَّى عَنْهُ بِالظَّهْرِ , لِأَنَّ مَا يُرْكَب مِنْ غَيْر الْآدَمِيَّات فَإِنَّمَا يُرْكَب ظَهْره , فَكَنَّى بِالظَّهْرِ عَنْ الرُّكُوب . وَيُقَال : نَزَلَ عَنْ اِمْرَأَته أَيْ طَلَّقَهَا كَأَنَّهُ نَزَلَ عَنْ مَرْكُوب . وَمَعْنَى أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي : أَيْ أَنْتِ عَلَيَّ مُحَرَّمَة لَا يَحِلّ لِي رُكُوبك .
الثَّانِيَة : حَقِيقَة الظِّهَار تَشْبِيه ظَهْر بِظَهْرٍ , وَالْمُوجِب لِلْحُكْمِ مِنْهُ تَشْبِيه ظَهْر مُحَلَّل بِظَهْرٍ مُحَرَّم , وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنَّهُ مُظَاهِر . وَأَكْثَرهمْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ اِبْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ ذَوَات الْمَحَارِم أَنَّهُ مُظَاهِر . وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمَا . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَرُوِيَ عَنْهُ نَحْو قَوْل مَالِك , لِأَنَّهُ شَبَّهَ اِمْرَأَته بِظَهْرٍ مُحَرَّم عَلَيْهِ مُؤَبَّد كَالْأُمِّ . وَرَوَى عَنْهُ أَبُو ثَوْر : أَنَّ الظِّهَار لَا يَكُون إِلَّا بِالْأُمِّ وَحْدهَا . وَهُوَ مَذْهَب قَتَادَة وَالشَّعْبِيّ . وَالْأَوَّل قَوْل الْحَسَن وَالنَّخَعِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ .
الثَّالِثَة : أَصْل الظِّهَار أَنْ يَقُول الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه الظَّهْر كِنَايَة عَنْ الْبَطْن وَسِتْرًا . فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي وَلَمْ يَذْكُر الظَّهْر , أَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ مِثْل أُمِّي , فَإِنْ أَرَادَ الظِّهَار فَلَهُ نِيَّته , وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاق كَانَ مُطْلَقًا الْبَتَّة عِنْد مَالِك , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّة فِي طَلَاق وَلَا ظِهَار كَانَ مُظَاهِرًا . وَلَا يَنْصَرِف صَرِيح الظِّهَار بِالنِّيَّةِ إِلَى الطَّلَاق , كَمَا لَا يَنْصَرِف صَرِيح الطَّلَاق وَكِنَايَته الْمَعْرُوفَة لَهُ إِلَى الظِّهَار , وَكَنَايَة الظِّهَار خَاصَّة تَنْصَرِف بِالنِّيَّةِ إِلَى الطَّلَاق الْبَتّ .
الرَّابِعَة : أَلْفَاظ الظِّهَار ضَرْبَانِ : صَرِيح وَكِنَايَة , فَالصَّرِيح أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي , وَأَنْتِ عِنْدِي وَأَنْتِ مِنِّي وَأَنْتِ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي . وَكَذَلِكَ أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَرَأْسِهَا أَوْ فَرْجهَا أَوْ نَحْوه , وَكَذَلِكَ فَرْجك أَوْ رَأْسك أَوْ ظَهْرك أَوْ بَطْنك أَوْ رِجْلك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ مُظَاهِر , مِثْل قَوْله : يَدك أَوْ رِجْلك أَوْ رَأْسك أَوْ فَرْجك طَالِق تَطْلُق عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : لَا يَكُون ظِهَارًا . وَهَذَا ضَعِيف مِنْهُ , لِأَنَّهُ قَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِحّ إِضَافَة الطَّلَاق إِلَيْهِ خَاصَّة حَقِيقَة خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة فَصَحَّ إِضَافَة الظِّهَار إِلَيْهِ . وَمَتَى شَبَّهَهَا بِأُمِّهِ أَوْ بِإِحْدَى جَدَّاته مِنْ قِبَل أَبِيهِ أَوْ أُمّه فَهُوَ ظِهَار بِلَا خِلَاف . وَإِنْ شَبَّهَهَا بِغَيْرِهِنَّ مِنْ ذَوَات الْمَحَارِم الَّتِي لَا تَحِلّ لَهُ بِحَالٍ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْت , وَالْعَمَّة وَالْخَالَة كَانَ مُظَاهِرًا عِنْد أَكْثَر الْفُقَهَاء , وَعِنْد الْإِمَام الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَب عَلَى مَا ذَكَرْنَا . وَالْكِنَايَة أَنْ يَقُول : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ مِثْل أُمِّي فَإِنَّهُ يَعْتَبِر فِيهِ النِّيَّة . فَإِنْ أَرَادَ الظِّهَار كَانَ ظِهَارًا , وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الظِّهَار لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَذْهَب مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي ذَلِكَ , وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهُ أَطْلَقَ تَشْبِيه اِمْرَأَته بِأُمِّهِ فَكَانَ ظِهَارًا . أَصْله إِذَا ذَكَرَ الظَّهْر وَهَذَا قَوِيّ فَإِنَّ مَعْنَى اللَّفْظ فِيهِ مَوْجُود - وَاللَّفْظ بِمَعْنَاهُ - وَلَمْ يَلْزَم حُكْم الظَّهْر لِلَفْظِهِ وَإِنَّمَا أَلْزَمَهُ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّحْرِيم , قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ .
الْخَامِسَة : إِذَا شَبَّهَ جُمْلَة أَهْله بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاء أُمّه كَانَ مُظَاهِرًا , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة فِي قَوْله : إِنَّهُ إِنْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ يَحِلّ لَهُ النَّظَر إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا . وَهَذَا لَا يَصِحّ , لِأَنَّ النَّظَر إِلَيْهِ عَلَى طَرِيق الِاسْتِمْتَاع لَا يَحِلّ لَهُ , وَفِيهِ وَقَعَ التَّشْبِيه وَإِيَّاهُ قَصَدَ الْمُظَاهِر , وَقَدْ قَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ فِي قَوْل : إِنَّهُ لَا يَكُون ظِهَارًا إِلَّا فِي الظَّهْر وَحْده . وَهَذَا فَاسِد , لِأَنَّ كُلّ عُضْو مِنْهَا مُحَرَّم , فَكَانَ التَّشْبِيه بِهِ ظِهَارًا كَالظَّهْرِ , وَلِأَنَّ الْمُظَاهِر إِنَّمَا يَقْصِد تَشْبِيه الْمُحَلَّل بِالْمُحَرَّمِ فَلَزِمَ عَلَى الْمَعْنَى .
السَّادِسَة : إِنْ شَبَّهَ اِمْرَأَته بِأَجْنَبِيَّةٍ فَإِنْ ذَكَرَ الظَّهْر كَانَ ظِهَارًا حَمْلًا عَلَى الْأَوَّل , وَإِنْ لَمْ يَذْكُر الظَّهْر فَاخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُون ظِهَارًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُون طَلَاقًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَكُون شَيْئًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا فَاسِد , لِأَنَّهُ شَبَّهَ مُحَلَّلًا مِنْ الْمَرْأَة بِمُحَرَّمٍ فَكَانَ مُقَيَّدًا بِحُكْمِهِ كَالظَّهْرِ , وَالْأَسْمَاء بِمَعَانِيهَا عِنْدنَا , وَعِنْدهمْ بِأَلْفَاظِهَا وَهَذَا نَقْض لِلْأَصْلِ مِنْهُمْ .
قُلْت : الْخِلَاف فِي الظِّهَار بِالْأَجْنَبِيَّةِ قَوِيّ عِنْد مَالِك . وَأَصْحَابه مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى الظِّهَار إِلَّا بِذَوَاتِ الْمَحَارِم خَاصَّة وَلَا يَرَى الظِّهَار بِغَيْرِهِنَّ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجْعَلهُ شَيْئًا . وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلهُ فِي الْأَجْنَبِيَّة طَلَاقًا . وَهُوَ عِنْد مَالِك إِذَا قَالَ : كَظَهْرِ اِبْنِي أَوْ غُلَامِي أَوْ كَظَهْرِ زَيْد أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّة ظِهَار لَا يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي حِين يَمِينه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : أَنَّ الظِّهَار بِغَيْرِ ذَوَات الْمَحَارِم لَيْسَ بِشَيْءٍ , كَمَا قَالَ الْكُوفِيّ وَالشَّافِعِيّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَان رَجُل فَهُوَ يَمِين يُكَفِّرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
السَّابِعَة : إِذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا , لِأَنَّ قَوْله : أَنْتِ حَرَام عَلَيَّ يَحْتَمِل التَّحْرِيم بِالطَّلَاقِ فَهِيَ مُطْلَقَة , وَيَحْتَمِل التَّحْرِيم بِالظِّهَارِ فَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ كَانَ تَفْسِيرًا لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَقْضِي بِهِ فِيهِ .
الثَّامِنَة : الظِّهَار لَازِم فِي كُلّ زَوْجَة مَدْخُول بِهَا أَوْ غَيْر مَدْخُول بِهَا عَلَى أَيّ الْأَحْوَال كَانَتْ مِنْ زَوْج يَجُوز طَلَاقه . وَكَذَلِكَ عِنْد مَالِك مَنْ يَجُوز لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ إِمَائِهِ , إِذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ لَزِمَهُ الظِّهَار فِيهِنَّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : لَا يَلْزَم . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَهِيَ مَسْأَلَة عَسِيرَة جِدًّا عَلَيْنَا , لِأَنَّ مَالِكًا يَقُول : إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام لَا يَلْزَم . فَكَيْفَ يَبْطُل فِيهَا صَرِيح التَّحْرِيم وَتَصِحّ كِنَايَته . وَلَكِنْ تَدْخُل الْأَمَة فِي عُمُوم قَوْله : " مِنْ نِسَائِهِمْ " لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ مُحَلَّلَاتهمْ . وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَفْظ يَتَعَلَّق بِالْبُضْعِ دُون رَفْع الْعَقْد فَصَحَّ فِي الْأَمَة , أَصْله الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى .
التَّاسِعَة : وَيَلْزَم الظِّهَار قَبْل النِّكَاح إِذَا نَكَحَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا عِنْد مَالِك . وَلَا يَلْزَم عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مِنْ نِسَائِهِمْ " وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ . وَقَدْ مَضَى أَصْل هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي سُورَة " التَّوْبَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه " [ التَّوْبَة : 75 ] الْآيَة .
الْعَاشِرَة : الذِّمِّيّ لَا يَلْزَم ظِهَاره . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَصِحّ ظِهَار الذِّمِّيّ , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " مِنْكُمْ " يَعْنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا يَقْتَضِي خُرُوج الذِّمِّيّ مِنْ الْخِطَاب . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا اِسْتِدْلَال بِدَلِيلِ الْخِطَاب . قُلْنَا : هُوَ اِسْتِدْلَال بِالِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى , فَإِنَّ أَنْكِحَة الْكُفَّار فَاسِدَة مُسْتَحَقَّة الْفَسْخ فَلَا يَتَعَلَّق بِهَا حُكْم طَلَاق وَلَا ظِهَار , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ " [ الطَّلَاق : 2 ] وَإِذَا خَلَتْ الْأَنْكِحَة عَنْ شُرُوط الصِّحَّة فَهِيَ فَاسِدَة , وَلَا ظِهَار فِي النِّكَاح الْفَاسِد بِحَالٍ .
الْحَادِيَة عَشَر : " مِنْكُمْ " يَقْتَضِي صِحَّة ظِهَار الْعَبْد خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ . وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ عَنْ مَالِك , لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْمُسْلِمِينَ وَأَحْكَام النِّكَاح فِي حَقّه ثَابِتَة وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِتْق وَالْإِطْعَام فَإِنَّهُ قَادِر عَلَى الصِّيَام .
الثَّانِيَة عَشَر : وَقَالَ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء تَظَاهُر , وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ " وَلَمْ يَقُلْ اللَّائِي يَظْهَرْنَ مِنْكُنَّ مِنْ أَزْوَاجهنَّ , إِنَّمَا الظِّهَار عَلَى الرِّجَال . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن الْقَاسِم وَسَالِم وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد . وَهُوَ صَحِيح مَعْنًى , لِأَنَّ الْحَلّ وَالْعَقْد وَالتَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم فِي النِّكَاح بِيَدِ الرِّجَال لَيْسَ بِيَدِ الْمَرْأَة مِنْهُ شَيْء وَهَذَا إِجْمَاع . قَالَ أَبُو عُمَر : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء ظِهَار فِي قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء . وَقَالَ الْحَسَن بْن زِيَاد : هِيَ مُظَاهَرَة . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَمُحَمَّد : لَيْسَ ظِهَار الْمَرْأَة مِنْ الرَّجُل بِشَيْءٍ قَبْل النِّكَاح كَانَ أَوْ بَعْده . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا ظِهَار لِلْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُل . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِذَا قَالَتْ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا , أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فُلَانَة فَهِيَ يَمِين تُكَفِّرهَا . وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاق , قَالَ : لَا تَكُون اِمْرَأَة مُتَظَاهِرَة مِنْ رَجُل وَلَكِنْ عَلَيْهَا يَمِين تُكَفِّرهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : أَرَى أَنْ تُكَفِّر الظِّهَار , وَلَا يَحُول قَوْلهَا هَذَا بَيْنهَا وَبَيْن زَوْجهَا أَنْ يُصِيبهَا , رَوَاهُ عَنْهُ مَعْمَر . وَابْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء قَالَ : حَرَّمَتْ مَا أَحَلَّ اللَّه , عَلَيْهَا كَفَّارَة يَمِين . وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُف . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَا شَيْء عَلَيْهَا
الثَّالِثَة عَشَر : مَنْ بِهِ لَمَم وَانْتَظَمَتْ لَهُ فِي بَعْض الْأَوْقَات الْكَلِم إِذَا ظَاهَرَ لَزِمَ ظِهَاره , لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيث : أَنَّ خَوْلَة بِنْت ثَعْلَبَة وَكَانَ زَوْجهَا أَوْس بْن الصَّامِت وَكَانَ بِهِ لَمَم فَأَصَابَهُ بَعْض لَمَمه فَظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَته .
الرَّابِعَة عَشَر : مَنْ غَضِبَ وَظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَته أَوْ طَلَّقَ لَمْ يُسْقِط عَنْهُ غَضَبه حُكْمه . وَفِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث , قَالَ يُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَّام : حَدَّثَتْنِي خَوْلَة اِمْرَأَة أَوْس بْن الصَّامِت , قَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنه شَيْء , فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ خَرَجَ إِلَى نَادِي قَوْمه . فَقَوْلهَا : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنه شَيْء , دَلِيل عَلَى مُنَازَعَة أَحْرَجَتْهُ فَظَاهَرَ مِنْهَا . وَالْغَضَب لَغْو لَا يَرْفَع حُكْمًا وَلَا يُغَيِّر شَرْعًا وَكَذَلِكَ السَّكْرَان .
الْخَامِسَة عَشَر : يَلْزَمهُ حُكْم الظِّهَار وَالطَّلَاق فِي حَال سُكْره إِذَا عَقَلَ قَوْله وَنَظَمَ قَوْله وَنَظَمَ كَلَامه , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ " [ النِّسَاء : 43 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " بَيَانه . وَاَللَّه أَعْلَم .
السَّادِسَة عَشَر : وَلَا يَقْرَب الْمُظَاهِر اِمْرَأَته وَلَا يُبَاشِرهَا وَلَا يَتَلَذَّذ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُكَفِّر , خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , لِأَنَّ قَوْله : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَقْتَضِي تَحْرِيم كُلّ اِسْتِمْتَاع بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ , فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّر , وَهِيَ :
السَّابِعَة عَشَر : اِسْتَغْفَرَ اللَّه تَعَالَى وَأَمْسَكَ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّر كَفَّارَة وَاحِدَة . وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ . رَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة , وَمُطَرِّف عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي الْمُظَاهِر : إِذَا وَطِئَ قَبْل أَنْ يُكَفِّر عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ . وَمَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ . وَرَوَى جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة مِنْهُمْ اِبْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَته فَغَشِيَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّر فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : ( مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ) فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! رَأَيْت بَيَاض خَلْخَالهَا فِي ضَوْء الْقَمَر فَلَمْ أَمْلِك نَفْسِي أَنْ وَقَعْت عَلَيْهَا فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَبهَا حَتَّى يُكَفِّر . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ سَلَمَة بْن صَخْر أَنَّهُ ظَاهَرَ فِي زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ قَبْل أَنْ يُكَفِّر , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّر تَكْفِيرًا وَاحِدًا .
الثَّامِنَة عَشَر : إِذَا ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَع نِسْوَة فِي كَلِمَة وَاحِدَة , كَقَوْلِهِ : أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْء إِحْدَاهُنَّ وَأَجْزَأَتْهُ كَفَّارَة وَاحِدَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تَلْزَمهُ أَرْبَع كَفَّارَات . وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ لَفْظ الْجَمْع إِنَّمَا وَقَعَ فِي عَامَّة الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُعَوَّل عَلَى الْمَعْنَى . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : إِذَا كَانَ تَحْت الرَّجُل أَرْبَع نِسْوَة فَظَاهَرَ مِنْهُنَّ يُجْزِيه كَفَّارَة وَاحِدَة , فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى لَزِمَهُ فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَفَّارَة . وَهَذَا إِجْمَاع .
التَّاسِعَة عَشَر : فَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَة : إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ فَأَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ لَمْ يَقْرَبهَا حَتَّى يُكَفِّر , ثُمَّ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْيَمِين فِي سَائِرهنَّ . وَقَدْ قِيلَ : لَا يَطَأ الْبَوَاقِي مِنْهُنَّ حَتَّى يُكَفِّر . وَالْأَوَّل هُوَ الْمَذْهَب .
الْمُوفِيَة عِشْرِينَ : وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَأَنْتِ طَالِق الْبَتَّة , لَزِمَهُ الطَّلَاق وَالظِّهَار مَعًا , وَلَمْ يُكَفِّر حَتَّى يَنْكِحهَا بَعْد زَوْج آخَر وَلَا يَطَأهَا إِذَا نَكَحَهَا حَتَّى يُكَفِّر , فَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِق الْبَتَّة وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَزِمَهُ الطَّلَاق وَلَمْ يَلْزَمهُ الظِّهَار , لِأَنَّ الْمَبْتُوتَة لَا يَلْحَقهَا طَلَاق .
الْحَادِيَة وَالْعِشْرُونَ : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَا يَصِحّ ظِهَار غَيْر الْمَدْخُول بِهَا . وَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَصِحّ الظِّهَار مِنْ الْمُطَلَّقَة الرَّجْعِيَّة , وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ , لِأَنَّ أَحْكَام الزَّوْجِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ ثَابِتَة , وَكَمَا يَلْحَقهَا الطَّلَاق كَذَلِكَ يَلْحَقهَا الظِّهَار قِيَاسًا وَنَظَرًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَيْ مَا نِسَاؤُهُمْ بِأُمَّهَاتِهِمْ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " أُمَّهَاتهمْ " بِخَفْضِ التَّاء عَلَى لُغَة أَهْل الْحِجَاز , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا هَذَا بَشَرًا " [ يُوسُف : 31 ] . وَقَرَأَ أَبُو مَعْمَر وَالسُّلَمِيّ وَغَيْرهمَا " أُمَّهَاتهمْ " بِالرَّفْعِ عَلَى لُغَة تَمِيم . قَالَ الْفَرَّاء : أَهْل نَجْد وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ " مَا هَذَا بَشَر " , و " مَا هُنَّ أُمَّهَاتهمْ " بِالرَّفْعِ .
أَيْ مَا أُمَّهَاتهمْ إِلَّا الْوَالِدَات . وَفِي الْمِثْل : وَلَدك مِنْ دَمِي عَقِبَيْك . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي اللَّائِي فِي " الْأَحْزَاب " .
أَيْ فَظِيعًا مِنْ الْقَوْل لَا يُعْرَف فِي الشَّرْع . وَالزُّور الْكَذِب
إِذْ جَعَلَ الْكَفَّارَة عَلَيْهِمْ مُخَلِّصَة لَهُمْ مِنْ هَذَا الْقَوْل الْمُنْكَر .