خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
سورة الممتحنة تفسير الطبري الآية 8
لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ﰇ ﴿٨﴾

سورة الممتحنة تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين } مِنْ أَهْل مَكَّة { وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } يَقُول : وَتَعْدِلُوا فِيهِمْ بِإِحْسَانِكُمْ إِلَيْهِمْ , وَبِرّكُمْ بِهِمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا : الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِمَكَّة وَلَمْ يُهَاجِرُوا , فَأَذِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِبِرِّهِمْ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26305 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين } أَنْ تَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ , { تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } ; قَالَ : وَهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّة وَلَمْ يُهَاجِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهَا مِنْ غَيْر أَهْل مَكَّة مَنْ لَمْ يُهَاجِر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 36306 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْأَنْمَاطِيّ , قَالَ : ثَنَا هَارُون بْن مَعْرُوف , قَالَ : ثَنَا بِشْر بْن السُّرِّيّ , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب بْن ثَابِت , عَنْ عَمّه عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَكَانَتْ لَهَا أُمّ فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهَا قُتَيْلَة اِبْنَة عَبْد الْعُزَّى , فَأَتَتْهَا بِهَدَايَا وَصِنَاب وَأَقِط وَسَمْن , فَقَالَتْ : لَا اِقْبَلْ لَك هَدِيَّة , وَلَا تَدْخُلِي عَلَيَّ حَتَّى يَأْذَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين } . .. إِلَى قَوْله : { الْمُقْسِطِينَ } . * - قَالَ ثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب بْن ثَابِت , عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَدِمَتْ قُتَيْلَة بِنْت عَبْد الْعُزَّى بْن سَعْد مِنْ بَنِي مَالِك بْن حِسْل عَلَى اِبْنَتهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , فَذَكَرَ نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَا مِنْ مُشْرِكِي مَكَّة مَنْ لَمْ يُقَاتِل الْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ ; قَالَ : وَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بَعْد بِالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26307 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : وَسَأَلْته عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه } . .. الْآيَة , فَقَالَ : هَذَا قَدْ نُسِخَ , نَسَخَهُ الْقِتَال , أُمِرُوا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ , وَيُجَاهِدُوهُمْ بِهَا , يَضْرِبُونَهُمْ , وَضَرَبَ اللَّه لَهُمْ أَجَل أَرْبَعَة أَشْهُر , إِمَّا الْمُذَابَحَة , وَإِمَّا الْإِسْلَام . 26308 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه } . .. الْآيَة , قَالَ : نَسَخَتْهَا { اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين , مِنْ جَمِيع أَصْنَاف الْمِلَل وَالْأَدْيَان أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتَصِلُوهُمْ , وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ , إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ { الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } جَمِيع مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَته , فَلَمْ يُخَصِّص بِهِ بَعْضًا دُون بَعْض , وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ مَنْسُوخ , لِأَنَّ بِرّ الْمُؤْمِن مِنْ أَهْل الْحَرْب مِمَّنْ بَيْنه وَبَيْنه قَرَابَة نَسَب , أَوْ مِمَّنْ لَا قَرَابَة بَيْنه وَبَيْنه وَلَا نَسَب غَيْر مُحَرَّم وَلَا مَنْهِيّ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلَالَة لَهُ , أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْب عَلَى عَوْرَة لِأَهْلِ الْإِسْلَام , أَوْ تَقْوِيَة لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاح . قَدْ بَيَّنَ صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر فِي قِصَّة أَسْمَاء وَأُمّهَا .



وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ } يَقُول : إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُنْصِفِينَ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ النَّاس , وَيُعْطُونَهُمْ الْحَقّ وَالْعَدْل مِنْ أَنْفُسهمْ , فَيَبَرُّونَ مَنْ بَرَّهُمْ , وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ .

سبب النزول

قالت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم، إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة - أو راهبة -، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك". فأنزل الله: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
— أسباب النزول للإمام الواحدي رحمه الله