وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ﰂ
﴿٣﴾سورة الطلاق تفسير القرطبي
الثَّوَاب
أَيْ يُبَارِك لَهُ فِيمَا آتَاهُ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه " فِي اِتِّبَاع السُّنَّة " يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " مِنْ عُقُوبَة أَهْل الْبِدَع , وَيَرْزُقهُ الْجَنَّة مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب . وَقِيلَ : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه " فِي الرِّزْق بِقَطْعِ الْعَلَائِق يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا بِالْكِفَايَةِ . وَقَالَ عُمَر بْن عُثْمَان الصَّدَفِيّ : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه " فَيَقِف عِنْد حُدُوده وَيَجْتَنِب مَعَاصِيه يُخْرِجهُ مِنْ الْحَرَام إِلَى الْحَلَال , وَمِنْ الضِّيق إِلَى السَّعَة , وَمِنْ النَّار إِلَى الْجَنَّة . " وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب " مِنْ حَيْثُ لَا يَرْجُو . وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : هُوَ الْبَرَكَة فِي الرِّزْق . وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : وَمَنْ يَبْرَأ مِنْ حَوْله وَقُوَّته بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا مِمَّا كَلَّفَهُ بِالْمَعُونَةِ لَهُ . وَتَأَوَّلَ اِبْن مَسْعُود وَمَسْرُوق الْآيَة عَلَى الْعُمُوم . وَقَالَ أَبُو ذَرّ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَأَعْلَم آيَة لَوْ أَخَذَ بِهَا النَّاس لَكَفَتْهُمْ - ثُمَّ تَلَا - " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب " ) . فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا وَيُعِيدهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب " قَالَ : ( مَخْرَجًا مِنْ شُبُهَات الدُّنْيَا وَمِنْ غَمَرَات الْمَوْت وَمِنْ شَدَائِد يَوْم الْقِيَامَة ) . وَقَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ . رَوَى الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ اِبْنِي أَسَرَهُ الْعَدُوّ وَجَزِعَتْ الْأُمّ . وَعَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : نَزَلَتْ فِي عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ اِبْنًا لَهُ يُسَمَّى سَالِمًا , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَة وَقَالَ : إِنَّ الْعَدُوّ أَسَرَ اِبْنِي وَجَزِعَتْ الْأُمّ , فَمَا تَأْمُرنِي ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِتَّقِ اللَّه وَاصْبِرْ وَآمُرك وَإِيَّاهَا أَنْ تَسْتَكْثِرَا مِنْ قَوْل لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ ) . فَعَادَ إِلَى بَيْته وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي وَإِيَّاكِ أَنْ نَسْتَكْثِر مِنْ قَوْل لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . فَقَالَتْ : نِعْمَ مَا أَمَرَنَا بِهِ . فَجَعَلَا يَقُولَانِ ; فَغَفَلَ الْعَدُوّ عَنْ اِبْنه , فَسَاقَ غَنَمهمْ وَجَاءَ بِهَا إِلَى أَبِيهِ ; وَهِيَ أَرْبَعَة آلَاف شَاة . فَنَزَلَتْ الْآيَة , وَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَغْنَام لَهُ . فِي رِوَايَة : أَنَّهُ جَاءَ وَقَدْ أَصَابَ إِبِلًا مِنْ الْعَدُوّ وَكَانَ فَقِيرًا . قَالَ الْكَلْبِيّ : أَصَابَ خَمْسِينَ بَعِيرًا . وَفِي رِوَايَة : فَأَفْلَتَ اِبْنه مِنْ الْأَسْر وَرَكِبَ نَاقَة لِلْقَوْمِ , وَمَرَّ فِي طَرِيقه بِسَرْحٍ لَهُمْ فَاسْتَاقَهُ . وَقَالَ مُقَاتِل : أَصَابَ غَنَمًا وَمَتَاعًا فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَحِلُّ لِي أَنْ آكُل مِمَّا أَتَى بِهِ اِبْنِي ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . وَنَزَلَتْ : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب " . فَرَوَى الْحَسَن عَنْ عِمْرَان بْن الْحُصَيْن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِنْقَطَعَ إِلَى اللَّه كَفَاهُ اللَّه كُلّ مَئُونَة وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب . وَمَنْ اِنْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللَّه إِلَيْهَا ) . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ إِذَا اِتَّقَى وَآثَرَ الْحَلَال وَالتَّصَبُّر عَلَى أَهْله , فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذَا ضِيقَة وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَار جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلّ هَمّ فَرَجًا وَمِنْ كُلّ ضِيق مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب ) .
أَيْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْره كَفَاهُ مَا أَهَمّه . وَقِيلَ : أَيْ مَنْ اِتَّقَى اللَّه وَجَانَبَ الْمَعَاصِي وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ , فَلَهُ فِيمَا يُعْطِيه فِي الْآخِرَة مِنْ ثَوَابه كِفَايَة . وَلَمْ يُرِدْ الدُّنْيَا ; لِأَنَّ الْمُتَوَكِّل قَدْ يُصَاب فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُقْتَل .
قَالَ مَسْرُوق : أَيْ قَاضٍ أَمْره فِيمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَفِيمَنْ لَمْ يَتَوَكَّل عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَيُكَفِّر عَنْهُ سَيِّئَاته وَيُعْظِم لَهُ أَجْرًا . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " بَالِغٌ " مُنَوَّنًا . " أَمْره " نَصْبًا . وَقَرَأَ عَاصِم " بَالِغُ أَمْرِهِ " بِالْإِضَافَةِ وَحَذْف التَّنْوِين اِسْتِخْفَافًا . وَقَرَأَ الْمُفَضَّل " بَالِغًا أَمْره " عَلَى أَنَّ قَوْله : " قَدْ جَعَلَ اللَّه " خَبَر " إِنَّ " و " بَالِغًا " حَال . وَقَرَأَ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد " بَالِغٌ أَمْرُهُ " بِالتَّنْوِينِ وَرَفْع الرَّاء . قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ أَمْره بَالِغ . وَقِيلَ : " أَمْره " مُرْتَفِع ب " بَالِغ " وَالْمَفْعُول مَحْذُوف ; وَالتَّقْدِير : بَالِغ أَمْره مَا أَرَادَ .
أَيْ لِكُلِّ شَيْء مِنْ الشِّدَّة وَالرَّخَاء أَجَلًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ . وَقِيلَ تَقْدِيرًا . وَقَالَ السُّدِّيّ : هُوَ قَدْر الْحَيْض فِي الْأَجَل وَالْعِدَّة . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَافِع : لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبه " قَالَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنَحْنُ إِذَا تَوَكَّلْنَا عَلَيْهِ نُرْسِل مَا كَانَ لَنَا وَلَا نَحْفَظهُ ; فَنَزَلَتْ : " إِنَّ اللَّه بَالِغ أَمْره " فِيكُمْ وَعَلَيْكُمْ . وَقَالَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم : إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَضَى عَلَى نَفْسه أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ , وَمَنْ أَقْرَضَهُ جَازَاهُ , وَمَنْ وَثِقَ بِهِ نَجَّاهُ , وَمَنْ دَعَاهُ أَجَابَ لَهُ . وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه : " وَمَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ يَهْدِ قَلْبه " [ التَّغَابُن : 11 ] . " وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبه " [ الطَّلَاق : 3 ] . " إِنْ تُقْرِضُوا اللَّه قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفهُ لَكُمْ " [ التَّغَابُن : 17 ] . " وَمَنْ يَعْتَصِم بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " [ آل عِمْرَان : 101 ] . " وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ " [ الْبَقَرَة : 186 ] .