مَا ٱلۡحَآقَّةُ ﰁ
﴿٢﴾سورة الحاقة تفسير القرطبي
يُرِيد الْقِيَامَة ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأُمُورَ تَحِقّ فِيهَا ; قَالَهُ الطَّبَرِيّ . كَأَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ بَاب " لَيْل نَائِم " . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ حَاقَّة لِأَنَّهَا تَكُون مِنْ غَيْر شَكّ . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحَقَّتْ لِأَقْوَامٍ الْجَنَّةَ , وَأَحَقَّتْ لِأَقْوَامٍ النَّارَ . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهَا يَصِير كُلّ إِنْسَان حَقِيقًا بِجَزَاءِ عَمَله . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : يُقَال حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْته أَحُقّه ; أَيْ غَالَبْته فَغَلَبْته . فَالْقِيَامَة حَاقَّة لِأَنَّهَا تَحُقّ كُلّ مُحَاقّ فِي دِين اللَّه بِالْبَاطِلِ ; أَيْ كُلّ مُخَاصِم . وَفِي الصِّحَاح : وَحَاقَّهُ أَيْ خَاصَمَهُ وَادَّعَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْحَقّ ; فَإِذَا غَلَبَهُ قِيلَ حَقّه . وَيُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا خَاصَمَ فِي صِغَار الْأَشْيَاء : إِنَّهُ لَنَزِقُ الْحِقَاق . وَيُقَال : مَاله فِيهِ حَقّ وَلَا حِقَاق ; أَيْ خُصُومَة . وَالتَّحَاقّ التَّخَاصُم . وَالِاحْتِقَاق : الِاخْتِصَام . وَالْحَاقَّة وَالْحَقَّة وَالْحَقّ ثَلَاث لُغَات بِمَعْنًى . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْمُؤَرِّج : الْحَاقَّة يَوْم الْحَقّ . وَتَقُول الْعَرَب : لَمَّا عَرَفَ الْحَقَّة مِنِّي هَرَبَ . وَالْحَاقَّة الْأُولَى رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَالْخَبَر الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبَره وَهُوَ " مَا الْحَاقَّة " لِأَنَّ مَعْنَاهَا مَا هِيَ . وَاللَّفْظ اِسْتِفْهَام , مَعْنَاهُ التَّعْظِيم وَالتَّفْخِيم لِشَأْنِهَا ; كَمَا تَقُول : زَيْد مَا زَيْد عَلَى التَّعْظِيم لِشَأْنِهِ .