يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ﰉ
﴿١٠﴾سورة القيامة تفسير الطبري
وَقَوْله : { يَقُول الْإِنْسَان يَوْمئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ } بِفَتْحِ الْفَاء , قَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاء الْأَمْصَار ; لِأَنَّ الْعَيْن فِي الْفِعْل مِنْهُ مَكْسُورَة , وَإِذَا كَانَتِ الْعَيْن مِنْ يَفْعِل مَكْسُورَة , فَإِنَّ الْعَرَب تَفْتَحهَا فِي الْمَصْدَر مِنْهُ إِذَا نَطَقَتْ بِهِ عَلَى مَفْعَل , فَتَقُول : فَرَّ يَفِرّ مَفَرًّا , يَعْنِي فَرًّا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَا لَبَكْرٍ أَنْشِرُوا لِي كُلَيْبًا يَا لَبَكْرٍ أَيْنَ أَيْنَ الْفِرَارُ إِذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ مَفْعَل قَالُوا : أَيْنَ الْمَفَرّ بِفَتْحِ الْفَاء , وَكَذَلِكَ الْمَدَبّ مِنْ دَبَّ يَدِبّ , كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : كَأَنَّ بَقَايَا الْأَثْر فَوْق مُتُونه مَدَبّ الدَّبَى فَوْق النَّقَا وَهُوَ سَارِح وَقَدْ يُنْشَد بِكَسْرِ الدَّال , وَالْفَتْح فِيهَا أَكْثَر , وَقَدْ تَنْطِق الْعَرَب بِذَلِكَ , وَهُوَ مَصْدَر بِكَسْرِ الْعَيْن , وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُمَا لُغَتَانِ , وَأَنَّهُ سَمِعَ : جَاءَ عَلَى مَدَبّ السَّيْل , وَمِدَبّ السَّيْل , وَمَا فِي قَمِيصه مَصَحّ وَمِصَحّ. فَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَإِنَّهُمْ فِي الْمَصْدَر يَفْتَحُونَ الْعَيْن مِنْ مَفْعَل إِذَا كَانَ الْفِعْل عَلَى يَفْعِل , وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ كَسْرهَا إِذَا أُرِيدَ بَالْمَفْعِل الْمَكَان الَّذِي يُفَرّ إِلَيْهِ , وَكَذَلِكَ الْمَضْرِب : الْمَكَان الَّذِي يُضْرَب فِيهِ إِذَا كُسِرَتْ الرَّاء , وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ بِكَسْرِ الْفَاء , وَيَقُول : إِنَّمَا الْمَفِرّ : مَفِرّ الدَّابَّة حَيْثُ تَفِرّ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز غَيْرهَا الْفَتْح فِي الْفَاء مِنَ الْمَفَرّ ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , وَأَنَّهَا اللُّغَة الْمَعْرُوفَة فِي الْعَرَب إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْفِرَار , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْفِرَار , وَتَأْوِيل الْكَلَام : يَقُول الْإِنْسَان يَوْم يُعَايِن أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة : أَيْنَ الْمَفَرّ مِنْ هَوْل هَذَا الَّذِي قَدْ نَزَلَ , وَلَا فِرَار .