أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ﰙ
﴿٢٦﴾سورة المرسلات تفسير القرطبي
رُوِىَ عَنْ رَبِيعَة فِي النَّبَّاش قَالَ تُقْطَع يَده فَقِيلَ لَهُ : لِمَ قُلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ . إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا " فَالْأَرْض حِرْز . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَة " الْمَائِدَة " . وَكَانُوا يُسَمُّونَ بَقِيع الْغَرْقَد كَفْتَة ; لِأَنَّهُ مَقْبَرَة تَضُمّ الْمَوْتَى , فَالْأَرْض تَضُمّ الْأَحْيَاء إِلَى مَنَازِلهمْ وَالْأَمْوَات فِي قُبُورهمْ . وَأَيْضًا اِسْتِقْرَار النَّاس عَلَى وَجْه الْأَرْض , ثُمَّ اِضْطِجَاعهمْ عَلَيْهَا , اِنْضِمَام مِنْهُمْ إِلَيْهَا . وَقِيلَ : هِيَ كِفَات لِلْأَحْيَاءِ يَعْنِي دَفْن مَا يَخْرُج مِنْ الْإِنْسَان مِنْ الْفَضَلَات فِي الْأَرْض ; إِذْ لَا ضَمَّ فِي كَوْن النَّاس عَلَيْهَا , وَالضَّمّ يُشِير إِلَى الِاحْتِفَاف مِنْ جَمِيع الْوُجُوه . وَقَالَ الْأَخْفَش وَأَبُو عُبَيْدَة وَمُجَاهِد فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات تَرْجِع إِلَى الْأَرْض , أَيْ الْأَرْض مُنْقَسِمَة إِلَى حَيّ وَهُوَ الَّذِي يُنْبِت , وَإِلَى مَيِّت وَهُوَ الَّذِي لَا يُنْبِت . وَقَالَ الْفَرَّاء : اُنْتُصِبَ , " أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا " بِوُقُوعِ الْكِفَات عَلَيْهِ ; أَيْ أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَات أَحْيَاء وَأَمْوَات . فَإِذَا نَوَّنْت نَصَبْت ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة . يَتِيمًا " [ الْبَلَد : 14 - 15 ] . وَقِيلَ : نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْأَرْض , أَيْ مِنْهَا كَذَا وَمِنْهَا كَذَا . وَقَالَ الْأَخْفَش : " كِفَاتًا " جَمْع كَافِتَة وَالْأَرْض يُرَاد بِهَا الْجَمْع فَنُعِتَتْ بِالْجَمْعِ . وَقَالَ الْخَلِيل : التَّكْفِيت : تَقْلِيب الشَّيْء ظَهْرًا لِبَطْنٍ أَوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ . وَيُقَال : اِنْكَفَتَ الْقَوْم إِلَى مَنَازِلهمْ أَيْ اِنْقَلَبُوا . فَمَعْنَى الْكِفَات أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ عَلَى ظَهْرِهَا وَيَنْقَلِبُونَ إِلَيْهَا وَيُدْفَنُونَ فِيهَا .