يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ﰜ
﴿٢٩﴾سورة الأنفال تفسير القرطبي
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى " التَّقْوَى " . وَكَانَ اللَّه عَالِمًا بِأَنَّهُمْ يَتَّقُونَ أَمْ لَا يَتَّقُونَ . فَذُكِرَ بِلَفْظِ الشَّرْط ; لِأَنَّهُ خَاطَبَ الْعِبَادَ بِمَا يُخَاطِب بَعْضهمْ بَعْضًا . فَإِذَا اِتَّقَى الْعَبْد رَبّه - وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه - وَتَرْك الشُّبُهَات مَخَافَة الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّمَات , وَشَحْن قَلْبه بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَة , وَجَوَارِحه بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , وَتَحَفَّظَ مِنْ شَوَائِب الشِّرْك الْخَفِيّ وَالظَّاهِر بِمُرَاعَاةِ غَيْر اللَّه فِي الْأَعْمَال , وَالرُّكُون إِلَى الدُّنْيَا بِالْعِفَّةِ عَنْ الْمَال , جَعَلَ لَهُ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فُرْقَانًا , وَرَزَقَهُ فِيمَا يُرِيد مِنْ الْخَيْر إِمْكَانًا . قَالَ اِبْن وَهْب : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : " إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا " قَالَ : مَخْرَجًا , ثُمَّ قَرَأَ " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا " [ الطَّلَاق : 2 ] . وَحَكَى اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب عَنْ مَالِك مِثْله سَوَاء , وَقَالَهُ مُجَاهِد قَبْله . وَقَالَ الشَّاعِر : مَا لَكَ مِنْ طُولِ الْأَسَى فُرْقَانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وَبَانُوا وَقَالَ آخَر : وَكَيْفَ أُرَجِّي الْخُلْدَ وَالْمَوْتُ طَالِبِي وَمَا لِيَ مِنْ كَأْسِ الْمَنِيَّةِ فُرْقَانُ اِبْن إِسْحَاق : " فُرْقَانًا " فَصْلًا بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل ; وَقَالَ اِبْن زَيْد . السُّدِّيّ : نَجَاة . الْفَرَّاء : فَتْحًا وَنَصْرًا . وَقِيلَ : فِي الْآخِرَة , فَيُدْخِلكُمْ الْجَنَّةَ وَيُدْخِل الْكُفَّارَ النَّارَ .