وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ﰂ
﴿٣﴾سورة عبس تفسير القرطبي
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِمُوَاجَهَةِ الْخِطَاب تَأْنِيسًا لَهُ فَقَالَ : " وَمَا يُدْرِيك " أَيْ يُعْلِمك " لَعَلَّهُ " يَعْنِي اِبْن أُمّ مَكْتُوم " يَزَّكَّى " بِمَا اِسْتَدْعَى مِنْك تَعْلِيمَهُ إِيَّاهُ مِنْ الْقُرْآن وَالدِّين , بِأَنْ يَزْدَاد طَهَارَة فِي دِينه , وَزَوَال ظُلْمَة الْجَهْل عَنْهُ . وَقِيلَ : الضَّمِير فِي " لَعَلَّهُ " لِلْكَافِرِ يَعْنِي إِنَّك إِذَا طَمِعْت فِي أَنْ يَتَزَكَّى بِالْإِسْلَامِ أَوْ يَذَّكَّر , فَتُقَرِّبهُ الذِّكْرَى إِلَى قَبُول الْحَقّ وَمَا يُدْرِيك أَنَّ مَا طَمِعْت فِيهِ كَائِن . وَقَرَأَ الْحَسَن " آأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى " بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَام فَـ " أَنْ " مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ مَحْذُوف دَلَّ عَلَيْهِ " عَبَسَ وَتَوَلَّى " التَّقْدِير : آأَنْ جَاءَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَوَلَّى ؟ فَيُوقَف عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى " وَتَوَلَّى " , وَلَا يُوقَف عَلَيْهِ عَلَى قِرَاءَة الْخَبَر , وَهِيَ قِرَاءَة الْعَامَّة . نَظِير هَذِهِ الْآيَة فِي الْعِتَاب قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام : " وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ " [ الْأَنْعَام : 52 ] وَكَذَلِكَ قَوْله فِي سُورَة الْكَهْف : " وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا " [ الْكَهْف : 28 ] وَمَا كَانَ مِثْله , وَاَللَّه أَعْلَم .